إشكاليات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية العربية وقدراتها على التأثير في قضية العدالة الاجتماعية المجتمع المدني التونسي بعد الثورة

إشكاليات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية العربية وقدراتها على التأثير في قضية العدالة الاجتماعية المجتمع المدني التونسي بعد الثورة

عاش المجتمع المدني والحراك العام منذ بداية ما يسمى بالربيع العربي، تغيرات عميقة في الأهداف والمنهجيات والآليات ومجالات الاهتمام التي تحولت إجمالا من الاهتمام بالحقوق السياسية والحريات إلى البحث عن العدالة الاجتماعية. وكانت الفترة الأولى، قبيل وإبان سقوط النظام في كل من تونس ومصر، تتسم بتقارب كبير في المطالب الاجتماعية في بلدان المنطقة. غير أن تطور الأوضاع جعل الحراك الشعبي يتأقلم فتغيرت بذلك طرق تناول قضية العدالة الاجتماعية حسب السياق.

في تونس مثلا، تطور الخطاب المتمحور حول العدالة الاجتماعية من خطاب ثوري شعبي إلى شعارات حزبية تفتقد لقاعدة سياسية متينة، ومن ذلك إلى خطاب مؤسساتي بعد الانتخابات. وفي غياب قاعدة سياسية واضحة واستراتيجيةٍ لسن العدالة الاجتماعية، سرعان ما فقد هذا الخطاب معانيه تاركا وراءه انطباعا من خيبة الأمل والخيانة واليأس. أما اليوم فالوضع يشهد تباينا كبيرا: فمن ناحية تتواتر التحركات الاجتماعية ويرتفع عددها باستمرار، وهي خارجة عن السيطرة في أكثر الأحيان، متمركزة غالبا في الجهات الداخلية ومنفصلة بعض الشيء عن الأطر الحاضنة المعتادة (أحزاب، نقابات، قبائل…) وهي تطالب بالشغل أو بالتنمية الجهوية أو بنصيبها من الموارد الطبيعية أو بحقها في بيئة سليمة. ومن ناحية أخرى خطاب مؤسساتي مبني على ضرورة الكف عن الحراك الاجتماعي الذي يعطل دواليب الاقتصاد ويرهق قوات الأمن والجيش وهذا الخطاب يجد قسطا من المساندة لدى فصائل من المجتمع المدني من جمعيات ومنظمات الأعراف وشريحة لا بأس بها من الطبقة الوسطى.

في الحقيقة، يضم ما نعبر عنه بـ”المجتمع المدني والحراك العام/الاجتماعي” مجموعات متباينة الطبيعة يمكن تقسيمها إلى مجموعات منظمة على غرار النقابات والجمعيات ومجموعات “ظرفية” تكون عادة أقل تنظيما مثل الحركات الاجتماعية. وتنشط هذه المجموعات على أصعدة مختلفة وتكون قدراتها على التأثير في السياسات العمومية باتجاه تحقيق العدالة الاجتماعية متفاوتة حسب عدة معايير.

يفترض أن القدرة على التعبئة تبقى في صدارة المعايير، فتجربة الاتحاد العام التونسي للشغل (القديمة والحديثة) تثبت مدى فاعليته في تحقيق مكتسبات ما إذا اهتم بها نظرا لكثرة منخرطيه والمتعاطفين معه. لكن الإشكالية تبقى مع هذا التنظيم في إرادته وأجندته السياسية أكثر منها في استطاعته. ثم تأتي مدى القدرة على بلورة رؤيا واضحة تعتمد على مقاييس وحجج معللة وتمكن من المناصرة الفعالة مع الاعتماد على الوسائل الحديثة للتواصل والتمكين وهي خاصية الجمعيات المتخصصة في مجال ما وبعض الحركات الاجتماعية الناضجة. أما المعيار الثالث فهو الشرعية التاريخية، ويبدو أن أهميته تتراجع شيئا فشيئا لصالح معيار الفاعلية وما يمكن ملاحظته هنا هو أن العديد من المنظمات العريقة لم تكن قادرة على مواكبة التحولات المحلية والإقليمية وسرعان ما وجدت نفسها خارج مجالات التأثير بعد أن لعبت دورا مهما إبان الثورات.

غير أنه يبدو أن المسائل المتعلقة مباشرة بالعدالة الاجتماعية تبقى مرفوعة أساسا من طرف التحركات الاجتماعية الهامشية التي تفتقد للمعايير المذكورة فتلتجئ إلى معيار آخر تتجلى قيمته بقوة في السنوات الأخيرة وهو القدرة على الإزعاج أو العرقلة وهو ما يؤتي أكله في بعض الأحيان فيما تعتبره السلطة أو غيرها من الأطراف (مستثمرون، مجتمع مدني، مواطنون…) تخريبا فتقمع وتهمش وتُحْظَرُ. وأمام هذا الصد، كثيرا ما يلتجئ المحتجون إلى طرق عنيفة للتعبير منها الإضراب عن الطعام وخيط الأفواه والانتحار.

فارتفاع مستوى الوعي وخيبة الأمل في الساسة والدولة من جهة، وتجارب الحراك الثوري من جهة أخرى، جعلت العديد لا يؤمنون إلا بدورهم كأفراد في تحقيق مكاسب شخصية أو جماعية تحسن من حالتهم الاجتماعية. وهم اليوم أهم من يرفع مطالبَ متعلقة بالعدالة الاجتماعية خاصة بعد أن تخلت الأحزاب والدولة والإعلام وأغلب الفاعلين عن هذا الموضوع لفائدة البحث عن الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي.

يتطرق هذا المقال إلى مسألة قدرة المجتمع المدني على التأثير في قضية العدالة الاجتماعية في تونس حسب الأطر التي يتحرك فيها. في الجزء الأول، سوف نعنى بمسألة “ثقافة الحوار والتوافق” في تونس ودور المجتمع المدني فيها وتداعياتها على قدرته على التأثير حيث نتساءل إن كان الوفاق يخدم قضية العدالة الاجتماعية. ثم نمر إلى الحراك الاجتماعي الخارج عن الأطر المنظمة والدور الذي يلعبه في تونس والإشكالات التي يتعرض لها أثناء بحثه عن العدالة الاجتماعية. وأخيرا سوف نتطرّق إلى الطرق البديلة التي يبتكرها المجتمع المدني بصفة عملية ومباشرة ومدى نجاحها في فرض سياسات جديدة تحقق قسطا أكبر من العدالة. وفي الأخير نختم باستنتاجات حول علاقة المعايير التي ذكرنا بالقدرة الفعلية على التأثير.

العدالة الاجتماعية والمجتمع المدني أمام اختبار التوافق والحوار

عرف المناخ الاجتماعي منذ سقوط نظام بن علي في تونس تجاذبات كثيرة بين الطبقات والمناطق وأيدولوجيات أثرت سلبا في كيفية تناول قضية العدالة الاجتماعية والبحث عن منوال تنمية يحققها. ولعبت المكونات الأساسية للمجتمع المدني دورا مهما في الحد من هذه التجاذبات أو تخفيفها أو إخفائها وذلك من منطلقات عدة: أهمية استرجاع مناخ هادئ يسهل العملية الانتخابية ويحث على إعادة الدورة الاقتصادية إلى ما كانت عليه، الخوف من التسيب والانفلات الأمني وكذلك إرساء ثقافة التوافق حول السياسات العمومية. كانت هذه الأخيرة محل اهتمام أهم الأطراف الفاعلة طيل الفترة الماضية حتى أنه أصبح يضرب المثل بتونس في هذا المجال بل اعتبرها بان كي مون منوالا يحتذى به لبقية بلدان الانتقال. في هذا النطاق، قال فلافيان بورا “بصفة عامة وحسب ما نرى منذ ثلاث سنوات، يمكنا فعلا الحديث عن “منوال تونسي” لعدة أسباب من أهمها وجود ثقافة للاعتدال والوفاق قد لا نجدها في بلدان أخرى أذكر منها خاصة مصر أو ليبيا أو سوريا. هذه الثقافة عامل مهم. مرة أخرى، نجد تونس بمثابة المخبر أو الاختبار للعمليات الانتقالية التي نتمنى أن تكون ديمقراطية”.

غير أن البحث عن التوافق في فترة انتقالية، إلى جانب أنه فعلا يحد من التجاذبات، قد ينزل سقف المطالب الشعبية المتعلقة بالعدالة الاجتماعية، وقد يخفي قسطا كبيرا من التوتر المتواجد في المجتمع وهذا ما نبه إليه العديد من المتابعين للشأن التونسي. رغم ذلك فإن المسار الانتقالي في تونس عرف عددا كبيرا من مبادرات للتوافق، سوف نقف في هذا المقال على ثلاثة منها وهي “العقد الاجتماعي” و”الحوار الوطني” و”الحوار حول العدالة الاجتماعية”.

العقد الاجتماعي: المجتمع المدني طرف في وفاق وطني مؤسساتي

نشر المعهد الدولي للعلوم الاجتماعية التابع للمنظمة العالمية للعمل تقريرا في 2011 عن تونس تحت عنوان “دراسة حول النمو والعدالة. تونس، عقد اجتماعي جديد لنمو عادل ومنصف” ومن أهم توصياته: “يجب على الحوار الاجتماعي أن يتمركز حول مسألة العدالة الاجتماعية التي تضم المبادئ الأساسية لحقوق العمل (الحرية النقابية، الحق في التنظيم وفي التفاوض الجماعي) وتضم أيضا الحماية الاجتماعية، إدارة وتفقدية العمل وتحسين ظروف العمل”.

عملا بهذه التوصية تم بتونس إرساء عقد اجتماعي يجمع ثلاثة أطراف وهي الحكومة التونسية والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وقد تم توقيعه يوم 14 يناير 2013، سنتين بعد سقوط نظام بن علي، في فترة الحكم الثلاثي (النهضة – التكتل من أجل العمل والحريات – المؤتمر من أجل الجمهورية) أي في أوج المسار الانتقالي وفي فترة تتميز بقوة الحراك الشعبي والنقابي.

يتمحور هذا العقد حول 5 نقاط وهي: النمو الاقتصادي والتنمية الجهوية، سياسات التشغيل والتكوين المهني، العلاقات المهنية والعمل اللائق، الحماية الاجتماعية وأخيرا مأسسة الحوار الاجتماعي الثلاثي عبر إحداث مجلس وطني للحوار الاجتماعي في غضون سنة (هذا المجلس لم يحدث بعد). وينص هذا العقد في بابه الأول:

“إقرار من الأطراف الثلاثة بأن النمو الاقتصادي المحدود وواقع التنمية الجهوية غير المتوازنة، كانا من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ثورة 14 يناير 2011، حيث كشفت الثورة عن واقع اقتصادي واجتماعي مليء بالتناقضات وبالإخلالات الهيكلية والنقائص مما يعكس مساهمة غير متوازنة في النمو بين الجهات والفئات الاجتماعية وتوزيعا غير منصف لثمار التنمية، فإن الشركاء الثلاثة يدعون إلى ضرورة بناء توافق وطني حول أهمية إرساء منوال جديد للتنمية في إطار مقاربة تشاركية بين الحكومة والفاعلين الاقتصادين والاجتماعيين، ووضع الأسس الحقيقية لتنمية شاملة ومستدامة ومتوازنة وعادلة بين الجهات تتسم بملائمة الأولويات الاقتصادية للتطلعات الاجتماعية وتجاوز الإشكالات المطروحة بما يساهم في تحقيق مستوى أرفع من النمو الاقتصادي.”

مبدئيا ونظريا، يؤسس هذا النص لإطار جديد للحوار الاجتماعي بما يرنو إلى سن عدالة اجتماعية يكون الطرف النقابي حام لها، وقد لقي ترحابا كبيرا من طرف الإعلام التونسي والرأي العام حيث أنه أعطى إشارات إيجابية حول مستقبل المناخ الاجتماعي. غير أنه لقي نقدا لاذعا من بعض الأطراف داخل المنظمة الشغيلة وذلك على المستوى الجهوي والقطاعي ولم يتسم بالفاعلية فلم يكن له تأثير واضح على وتيرة الاحتجاجات ولم يفرض نقاشا حقيقيا على أسس المنوال التنموي الجديد. بل بالمقابل، حصر النقابة في دور تهدئة الأوضاع وحد من دورها في تأطير الحراك الاجتماعي.

بصفة عامة منذ توقيعه، لم تطالب إلا منظمة الأعراف بالرجوع إلى العقد الاجتماعي بصفة رسمية وذلك في جوان 2015 في إطار ندوة حول الاقتصاد التضامني “لافتة النظر إلى أن المبادرات الموازية للعقد الاجتماعي والتي أطلقتها بعض الأطراف (الاتحاد العام التونسي للشغل) تضرب العقد الاجتماعي”.

كما تطرقت منظمة الأعراف إلى هذا العقد مرة ثانية في إطار جلسة استماع نظمتها لجنة المالية بمجلس نواب الشعب حول قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص حيث اشار ممثل اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية إلى أنه لا يمكن للاتحاد العام التونسي للشغل أن يرفض الشراكات العامة الخاصة بما أنها بند من بنود العقد الاجتماعي، والحال أن العقد يفرض على الأطراف “دعم القطاع العام (تفعيل دور الدولة في مجال الخدمات العمومية وفي تنمية قطاع الإنتاج الغير التنافسي) والقطاع الخاص (دفع الاستثمار وخلق مواطن شغل) وقطاع الاقتصاد الاجتماعي (تفعيل دور التعاضيات والتعاونيات في الحد من الفوارق الاجتماعية) والعمل على توفير أرضية شراكة بين القطاعين العام والخاص ودعم العمل المستقل المنظم وتيسير النفاذ إلى مصادر التمويل”.

وبهذا يتضح أنه لم يكن للعقد الاجتماعي دور يذكر في تجديد المنوال الاقتصادي بما يفيد العدالة الاجتماعية وهو الهدف المعلن بل أنه اقتصر على كونه اتفاقية لسن السلم الاجتماعي في فترة تتسم بالتوتر، وتعهد من المنظمة النقابية بعدم المضي قدما في المطالبة والتحرك. وأصبحت منظمة الأعراف وحدها تلوح بالعقد كلما أرادت الضغط على الفاعلين لخدمة مصالح رؤوس الأموال. لا يمكن نفي دور الاتحاد على مدى التاريخ المعاصر التونسي في تخفيف الفوارق بين أطياف المجتمعي ودعم الحراك الشعبي الباحث عن العدالة الاجتماعية لكن لا يمكن القول إن العقد الاجتماعي ساهم في ذلك بعد الثورة. هل كان بمقدور الاتحاد العام التونسي للشغل التأثير أكثر على محتوى العقد ومنهجياته وأهدافه؟ تتطلب الإجابة على هذا السؤال تحليلا أعمق لكن من المؤكد أن الاتحاد لم يستعمل كامل قدراته على التأثير لسن العدالة الاجتماعية في هذا الإطار.

الحوار الوطني: المجتمع المدني وسيط للوفاق

عرفت تونس بعد اغتيال النائب محمد البراهمي في 25 يوليو 2013 أزمة سياسية حادة أخذت شكل اعتصام مفتوح أمام المجلس التأسيسي طالب بإسقاط الحكومة وحل المجلس أفضت إلى إطلاق حوار وطني بين الأحزاب أداره كل من الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وهيئة المحامين والرابطة التونسية لحقوق الإنسان وسميت هذه التشكيلة المتكونة مائة بالمائة من منظمات مجتمع المدني اسم “الرباعي الراعي للحوار”. كان للرباعي دور جد مهم حيث قام بالوساطة بين كل الأحزاب وتمكن من فك الأزمة برفع الطابع السياسي عن النقاشات حتى الوصول إلى الوفاق الوطني وحكومة تكنوقراط برئاسة مهدي جمعة تستند إلى إجماع واسع.

لم يتطرق الحوار الوطني بصفة مباشرة إلى مسألة العدالة الاجتماعية بل دار خاصة حول تشكيل حكومة مؤقتة للاستعداد للانتخابات والإسراع في صياغة الدستور وبذلك إنهاء المرحلة الانتقالية. غير أن هذه الفترة رسخت ثقافة الوفاق الوطني فاستؤنف الحوار نفسه بعد الانتخابات رغم الأصوات المتسائلة عن شرعيته ورغم اعتباره من قبل البعض “تغول” و”تدشين أول خرق للدستور”.

بالإضافة إلى سن خريطة طريق سياسية وإيجاد مخرج للأزمة كان للحوار الوطني نتائج جانبية مهمة على مفهوم ما يسمى بالـ”مجتمع المدني” ودوره في هذه الفترة الانتقالية. فالرباعي كان محور الصراع على السلطة والتزم نسبيا بالحياد حتى يتمكن من بناء الثقة وخلق مناخ ملائم للوفاق فكان لذلك تداعيات سلبية على قدرة المجتمع المدني بصفة عامة على التأثير في قضايا العدالة الاجتماعية فيما بعد يمكن أن نلخصها في بعض النقاط:

  • احتكار صفة “المتحدث باسم المجتمع المدني” من طرف الرباعي الراعي للحوار.
  • غياب المسائل الاجتماعية عن النقاش وحصره في المسائل السياسية.
  • تسليط الأضواء على الوفاق كما لو كان نتيجة حتمية لكل نقاش وبذلك طمس للرؤى المختلفة.
  • الضرب عرض الحائط بمبادئ الديمقراطية من شفافية وحق الاختلاف وحرية التعبير.

وبذلك أصبحت الأصوات والتحركات المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية وبالعدالة الاجتماعية إما مطموسة أو منبوذة أو في بعض الأحيان محاصرة. واحتكر الرباعي نقاش الشأن العام وإطاره وأهدافه وحتى مفهوم المصلحة العامة. ولم يبقى للمتذمرين من ذلك سوى الصحافة البديلة للتعبير عن قلقهم وعدم موافقتهم بعد أن انخرطت أغلب الأحزاب في الحوار ما عدا المؤتمر من أجل الجمهورية.

مكنت هذه الفترة من تقوية مواقف كل من الرباعي الراعي للحوار (خاصة منظمة الأعراف والنقابة) والحكومة إذ مدتها بقاعدة متينة ومنهجية للعمل. فعند مزاولة الحكومة الجديدة مهامها التجأت هي أيضا إلى تنظيم الحوارات والبحث عن التوافق حتى تجعل لنفسها غطاء سياسيا وشعبيا يحفظ السلم الاجتماعي أثناء قيامها بإصلاحات موجعة امليت من طرف المؤسسات المالية العالمية حتى مع افتقادها للشرعية اللازمة لذلك. في هذا السياق أطلق مهدي جمعة الحوار الوطني الاقتصادي الذي يتطرق إلى جملة من الإصلاحات “إذ صرّح السيّد سامي العوّادي لنواة أنّ حكومة التكنوقراط الانتقاليّة لا يحقّ لها الخوض في المشاكل الاستراتيجية والإصلاحات الهيكليّة نظرا لطابعها المؤقّت ومدّة حكمها القصيرة، فمثل تلك المهّام ستكون مسؤوليّة حكومة شرعيّة منتخبة تنهي الوضع الانتقاليّ الذي تعرفه البلاد منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات، في حين كان الفريق الحكوميّ يدفع باتجاه حسم هذه الملفّات مدعوما بمنظّمة الأعراف بعد توحيد رؤاهما بخصوص العديد من النقاط كالشراكة بين القطاعين الخاصّ والعموميّ، ووضعيّة المؤسّسات العموميّة ومراجعة التشريعات الخاصّة بالاستثمار والإصلاح الجبائيّ والتعامل مع الحراك الاجتماعيّ والنقابيّ”.

في حقيقة الأمر، لم يكن الحوار الاقتصادي سوى عملية اتصالية وإعلامية بحتة لتسويق صورة التشاركية وإيهام التشاور عبر الإعلام للمصادقة على قرارات كانت قد أخذت من قبل وإضفاء مصداقية وشرعية إليها ناهيك أن وزير المالية في حكومة التكنوقراط حكيم بن حمودة بعث برسالة نوايا لصندوق النقد الدولي يعلمه فيها ببرنامج الحكومة قبل حتى أن يتم تعيينه بصفة رسمية من طرف رئاسة الجمهورية.
ونستخلص من هذه التجربة أنه كان لأطراف المجتمع المدني المتمثل في الرباعي الراعي للحوار دور الوسيط لتثبيت سياسة معادية للعدالة الاجتماعية بل لإضفاء صفتي الشرعية والوفاق عليها. “وهكذا انطلقت تونس في ديناميكية ديمقراطية استباقية تتسم بإصدار قانون جديد للانتخابات، بانتخابات تشريعية ورئاسية حرة وشفافة وشاملة. لعب المجتمع المدني دورا مهما في مسار الاستقرار السياسي للبلاد وفي التحول الديمقراطي”.

المجتمع المدني والحوارات المدعومة. مثال مشروع إنسبايرد (الاتحاد الأوروبي)

أصبح تشريك المجتمع المدني في البرامج والمسارات محبذا جدا من طرف المؤسسات المالية العالمية والممولين، فنجدها تدعمه بتمويلات طائلة وتدمجه في برامجها عبر استشارات وحوارات، وتحث الحكومات على تشريكه في كل المجالات والمراحل. ويتجلى ذلك في قيمة التمويلات المخصصة لذلك وكذلك في الحيز المخصص للتعامل مع المجتمع المدني في البرامج والتقارير التي ينشرها هؤلاء الممولون.

يمكننا على سبيل المثال ذكر الاتحاد الأوروبي الذي يستثمر بقوة في المجتمع المدني التونسي منذ سقوط نظام بن علي فهو يدعم إشراك المجتمع المدني في حوار السياسات العمومية وتنفيذ المشاريع. بالإضافة إلى الدعم المقدم في إطار البرامج الثنائية والإقليمية “ايني”، وتقديم المساعدة للمجتمع المدني أيضا من خلال العديد من البرامج الموضوعية للاتحاد الأوروبي، ومنذ عام 2011، أيضا عن طريق برنامج خاص بالمجتمع المدني.

من بين هذه الحوارات يمكننا ذكر “الحوار حول العدالة الاجتماعية” الذي نظمه مركز الدراسات المتوسطية والدولية بالتعاون مع الشراكة الأوربية من أجل الديمقراطية (EPD) وNIMDو CDM في إطار مشروع إنسبايرد INSPIRED المندرج ضمن الآلية الأوروبية للديمقراطية وحقوق الإنسان. وهدف هذا المشروع هو بناء منهجية للحوار بين الأطراف السياسية والاجتماعية. وقد تم اختيار موضوع العدالة الاجتماعية وتقسيمه إلى 4 محاور:

  • التنمية الجهوية
  • إصلاح الجباية
  • الحوكمة والاستثمار
  • الشراكة بين القطاعين العام والخاص

ومن الملاحظ تطابق المحاور المدروسة مع الإصلاحات التي أملتها المؤسسات المالية العالمية والممولين الدوليين من بينهم الاتحاد الأوروبي الذي يشير بين الأسطر في وثيقة “الإطار الوحيد للدعم” إلى أنه يعتمد في برامجه على الالتزامات المالية الاستراتيجية للحكومة التونسية مع الأطراف الممولة على رأسها صندوق النقد الدولي واتفاق الاستعداد الانتمائي المبرم معه وهذا ليس بالغريب حيث يندرج هذا الحوار ضمن أعمال الاتحاد الأوروبي لتسهيل الفترة الانتقالية (الاقتصادية) أي بلغة أخرى تمرير الإصلاحات، أضف إلى ذلك تهيئة الجو والاستعداد للدخول في جولات المفاوضات حول اتفاقيات التجارة الحرة الشاملة والمعمقة.

يصف مشروع INPIRED Tunisia الحوار الذي دار كالآتي: “حوار حول العدالة الاجتماعية يتخطى أطر التمثيلية المعتادة والآليات المعهودة للحوار الاجتماعي. وبذلك يجيب على المطالب المحلية لتوسيع مجال تبادل الرؤى السياسية والمعلومات مثلا لبناء ثقة بين الأطراف المتواجدة مثل الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وكذلك الأطراف التي التحقت بالساحة السياسية بعد ثورة الياسمين في 2012. ساهم في مشروع ISPIRED أهم الأحزاب السياسية ومجموعة من نواب المجلس التأسيسي (المهتمين بمجالي الاقتصاد والتنمية الجهوية) بالإضافة إلى وزارة التنمية الجهوية والتخطيط ووزارة الشؤون الاجتماعية. كذلك أطراف من اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف والمعهد العربي لحقوق الإنسان والكونفدرالية ومجموعات من المجتمع المدني كالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.”

للأسف، لم يتسنى لنا الحصول على نتائج ومقررات هذا الحوار رغم أننا اتصلنا بأغلب الأطراف من منظمين ومشاركين. فإما أن الحوار لم يفضي لشيء أو أنه فضل عدم نشر نتائجه. وفي كلتا الحالتين يمكننا أن نتساءل عن جدوى حوارات مغلقة، غير شفافة، تديرها أطراف خارجية وتطرح قضية العدالة الاجتماعية من باب محاور تم اختيارها حسب إملاءات صندوق النقد الدولي. هذا ما يجعلنا نطرح عدة أسئلة حول دور المجتمع المدني في هذا السياق، هل يمكن للمنظمات المشاركة أن تؤثر فعلا في السياسات العمومية في ضل الحوارات المدعومة، هل تنبهت الأطراف المشاركة إلى كون الموضوعات المطروحة في علاقة مباشرة مع سياسات اقتصادية مفروضة، وماذا كانت ردة فعلها، هل كان هدف الحوار فعلا نقاش السياسات أم فقط إعطاء غطاء مجتمعي وطابع وفاقي لسياسات مملاة؟! تبقى هذه التساؤلات مطروحة ولا يمكن الإجابة عليها في ضل التعتيم على مخرجات مشروع ISPIRED Tunisia.

هل يخدم الوفاق قضية العدالة الاجتماعية؟

يمكننا من توقفنا عند المحطات الثلاث التي أخذنها كأمثلة من استخلاص مجموعة من الملاحظات حول ثقافة الوفاق التي عرفتها تونس بعد “الثورة” وتداعياتها على قدرة المجتمع المدني على التأثير. أولا، يجب القول إن هذه الاستراتيجية مكنت فعلا من الحد من التوتر في بعض الأحيان وإيجاد مخارج لأزمات سياسية وكذلك سن مناخ إعلامي واجتماعي يسهل العمليات الانتخابية وبذلك يمهد للاستقرار السياسي. لكن، في قضية العدالة الاجتماعية بالذات، فإن النتائج لم تكن إيجابية. فقد آلت الحوارات المتعددة إلى تمييع القضايا الاجتماعية وتغيبها لصالح الوصول إلى أرضية مشتركة مهما كان الثمن. ومن الملحوظ أنه في كل هذه الأطر، تم التعويل على تقريبا نفس الأطراف للمشاركة أو التسيير أو الوساطة وهي الأطراف “التاريخية” التي تستند إلى قدرة كبيرة على التعبئة والتأثير وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل. وجد هذا الأخير نفسه مجبرا على التخلي عن أدواره المعتادة من دفاع عن الحقوق النقابية والاقتصادية والاجتماعية واحتضان للحركات الاجتماعية والمبادرات النضالية مما أضعف قدرته على التأثير إيجابيا في قضية العدالة الاجتماعية.

في تجربة “العقد الاجتماعي” لاحظنا غياب آثار فعلية للوثيقة الناتجة عن المفاوضات رغم أن الهدف كان واضحا ومعلنا: إيجاد إطار يسمح للأطراف المشاركة بالتفكير سويا في منوال تنمية جديد يحقق العدالة الاجتماعية. عوضا عن ذلك، وجدنا منظمة الأعراف تستند إلى العقد للضغط على كل من الحكومة والعمال. أما تجربة “الحوار الوطني” فأفضت إلى إفراغ المجال السياسي من السياسة وتسليم الشأن العام إلى حكومة تكنوقراط وحصر نقابة العمال في دور الوسيط ثم من ذلك إلى جعل “الحوار” الوسيلة الأمثل لقتل روح المطالبة والمحاسبة وتمرير الإصلاحات الواحدة تلو الأخرى مع تهميش الاحتجاجات التي لم يكن من الممكن إدماجها أو إسكاتها. بالنسبة للحوار حول العدالة الاجتماعية في إطار مشروع INSPIRED Tunisia فالواضح أنه ذر رماد في العيون في أحسن الحالات أو في أسوأها عملية احتضان واستخدام للمجتمع المدني.

التحركات الاجتماعية ودورها في تحقيق العدالة الاجتماعية (حملة “وينو البترول” مثالا)

لمحة عن الحركات الاجتماعية قبيل وبعد “الثورة” في تونس

كانت الحركة الاجتماعية بالحوض المنجمي من أهم التحركات الشعبية في المنطقة وفي السنوات الألفين. وبينما كانت مطالبها محلية فإن تأثيرها وصيتها طالا المنطقة بأسرها وتعديا الحدود. كان الصراع في الحوض المنجمي من أجل العدالة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية حسب العديد من المتابعين للشأن التونسي أولى الخطوات التي أدت إلى سقوط نظام بن علي، تلتها محطات أخرى في عدة مناطق بتونس منها بن قردان والمنستير وطبعا سيدي بوزيد إلى أن عمت الاحتجاجات البلاد رافعة شعارات منددة بالتهميش والحيف الاجتماعي. يمكننا القول إن الحراك الاجتماعي توصل في تلك الفترة إلى عرقلة منظومة بن علي وزعزعتها إلى أن أطاح بالدولة البوليسية القمعية ورغم أن البديل نحو منوال اقتصادي وتنموي يحقق العمل والعدالة الاجتماعية والمساواة بين المناطق بقي مفقودا فإن دور الحراك الاجتماعي في فتح أبواب الأمل لا ريب فيه.

أما الفترة الموالية التي تعاقبت فيها الحكومات منها التكنوقراطي ومنها المنتخب وأثناء صياغة الدستور الجديد فقد عرفت العديد من التحركات الاجتماعية والتي تبلورت تارة حول مطالب سياسية مثل اعتصامات القصبة أو اعتصام باردو وتارة حول مطالب متعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وقد تباينت هذه الأخيرة من حيث طرق التعبئة والنضال وكذلك من حيث المطالب والانتشار. (تحركات نقابية من اعتصامات وإضرابات، إضرابات عن الطعام من أجل التشغيل كان لاتحاد المعطلين عن العمل دور ريادي فيها، انتحارات ومحاولات انتحار، مسيرات ومظاهرات، حملات إعلامية أو تفقدية وغيرها) فاتسم المناخ الاجتماعي في هذه السنوات الثلاث بالتوتر ولم يكن الرأي العام دائما مناصرا للتحركات بل عرفت بعضها تعتيما أو حملات إعلامية مناهضة فيما صدت بعضها بعنف من طرف الدولة.

يمكننا القول إن المناخ الاجتماعي التونسي كان طيلة هذه الفترة متسما بشحنة عالية من الروح النضالية والمطلبية وباهتمام كبير بالشأن العام وبالسياسة ودور الفرد والمجموعة في بلورة السياسات العمومية. أما المواعيد الانتخابية فكانت بمثابة المحطات التي يتجلى فيها صراع قطبين سياسيين أساسيين وتنحصر فيها النقاشات فيما يسمى “بالنمط المجتمعي” أي تتمحور خاصة في مسألة الحريات الفردية ثم تعود بعد الانتخابات لتطرح إشكاليات الحقوق الاقتصادية. فعوض أن تكون الحملات الانتخابية فرصة لتنافس البرامج والسياسات الاقتصادية والاجتماعية فهي ما انفكت تعمق الاستقطاب الثنائي بين الإسلاميين والعلمانيين.

مثال عن تحركات ما بعد انتخابات 2014: حملة وينو البترول؟

تعيش المرحلة الراهنة، أي ما بعد انتخابات 2014 العديد من التحركات التي يمكن ربطها مباشرة بقضية العدالة الاجتماعية سوف نقف عند واحدة منها وهي حملة “وينو البترول” (أين النفط؟). انطلقت هذه الحملة في شهر ماي الماضي وهي تطالب بالشفافية في قطاع الطاقة وبالتوزيع المتكافئ لمداخيله. وقد عرفت تصعيدا مهما منذ أن أعلنت شركة مازارين عن اكتشاف موارد باطنية من النفط بالجنوب التونسي تقدر منتوجيتها بـ4300 برميل/يوم الشيء الذي جعل سكان المنطقة يطالبون بنصيبهم من العائدات. والجدير بالقول إن الجنوب التونسي (ولايتي قبلي وتطاوين) يعرف منذ بداية 2015 العديد من التحركات المرتبطة بإنتاج الغاز والبترول غير أن حملة “وينو البترول” تنفرد بعدم مطالبتها للشركات حيث تتوجه خصيصا للدولة والحكومة. فالمحتجون لا يطالبون بالتشغيل أو بتحسين ظروف العمل أو بالزيادة في الأجور، بل يعبرون عن استياء كامل سكان المنطقة من تهميشهم واستنزاف مواردهم. “هذه القضية لقيت صدى واسعا بحكم ارتباطها اساسا بالسيادة الوطنية ولكن كذلك بالأمن القومي والعدالة الاجتماعية والجهوية وايضا التنمية أيضا بحكم ارتباطها بالشفافية (معرفة الحقيقة) إضافة للحوكمة الرشيدة (ظهور حالات فساد وانحراف بالسلطة مؤكدة). لكن المشكل اليوم هذه القضية المركزية ارتفعت فيها بسرعة المضاربة السياسية والتوظيف ويخشى مثل الكثير من القضايا الجوهرية أن ينتهي بها الأمر إلى “التصفية” لأن طريقة ومنهج التعاطي كان انتهازيا أو غبيا.”

كانت ردة فعل الدولة بقمع الحراك ومنع الاحتجاجات الشيء الذي أدى إلى تصعيدات عنيفة أوفت إلى حرق مركز شرطة ومقر معتمدية بمدينة دوز. أما ردة الفعل السياسية فقد كانت بدورها عنيفة تمثلت في شن حملات شرسة ضد الحراك معتمدة في ذلك على حجة علاقة هذا الحراك بحركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية. وذهب رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي إلى ربط الاحتجاجات بعدم الاستقرار الأمني الذي يعرفه الجنوب التونسي بل حتى بأعمال الإرهاب. وبهذا أصبح الاحتجاج من أجل الشفافية والاقتسام العادل للثروات والعدالة الاجتماعية بمثابة الفعل الإجرامي الهادف إلى ضرب الأمن واستقرار الدولة فأفضى ذلك إلى تسيس الحراك الاجتماعي، خاصة بعد أن سانده علنا الرئيس السابق المنصف المرزوقي. في غياب تنظيم محكم للحراك وانفصال واضح عن الأحزاب تحولت الحملة إلى موضوع تجاذب بين القطبين السياسيين. أما المطالب التي كانت في بدايتها محلية، تحولت لدى الجزء الأكبر من الرأي العام إلى رموز للشعبوية وأدلة على سوء النية والاستعداد لضرب وحدة البلاد وزعزعة استقرار الدولة.

الحركات الاجتماعية أمام الرهانات الأمنية

ليست الرهانات الأمنية المتعلقة بمحاربة الإرهاب حكرا على تونس ولا على المنطقة ولا على العالم العربي، بل هي إشكالية تواجهها سائر بلدان العالم. غير أن الدول ذات الأنظمة الدكتاتورية سرعان ما تفقد كامل قدرتها على السيطرة على الإجرام المنظم، مهما كان نوعه ودوافعه (لا الإرهاب فقط) حينما تهتز أنظمتها الأمنية المبنية على القمع والفساد والوشاية والتعذيب وغيرها من الوسائل القروسطية لمعالجة المسألة الأمنية.

من ناحية أخرى، يجب التذكير بأن التحركات الاجتماعية في هذه الأنظمة تعتبر تعكيرا للنظام وتؤخذ على أنها تهديد للسلم العام فتتعامل معها المنظومة الأمنية كخطر داهم على الأمن والدولة. والأمثلة متعددة في تونس بعد “ثورة” نذكر منها أحداث 9 أبريل 2012 وأحداث سليانة ولعل عنف ردة الفعل الأمنية في هذين المثالين وفي غيرهما وعدم تناسبها مع حقيقة “الخطر الداهم” تدل في نهاية الأمر على ضعف المنظومة الأمنية.

لم تكن تونس، رغم ما تتسم به حراكاتها الشعبية بسلمية نسبية، بمنأى من معضلات تزعزع المنظومة الأمنية واستقواء التنظيمات الإجرامية والإرهابية فتعدد الاغتيالات السياسية والعمليات الإرهابية منذ سقوط نظام بن علي أرسى مناخا من الاستنفار الذي يمكن تفهمه. لكن، يجب الإشارة إلى أن مظاهر العنف البوليسي تتجلى بكثافة في حالات أخرى لا علاقة لها بالإرهاب وهي القمع المفرط للتحركات الاجتماعية.

عانت حملة “وينو البترول” من سياق خاص وغير ملائم:

  • فهي تتمركز في وسط وجنوب البلاد، أي في المناطق الموصومة بالتهريب وهي ظاهرة ارتبطت نهائيا بالإرهاب منذ اقتراح مشروع قانون مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال.
  • وهي المناطق الأكثر تهميشا وفي نفس الوقت الأغنى بالموارد الطبيعية.
  • كما هي معاقل حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية ومن هنا العلاقة المباشرة مع الإسلام السياسي حيث أبرزت نتائج الانتخابات الأخيرة تباينا واضحا بين الشمال والجنوب في الخيارات الانتخابية.
  • وفي الأفق، مسألة اللامركزية التي سنها الدستور الجديد والتي تطرح إشكاليات كالحوكمة المحلية وتوزيع الثروات. ويذهب البعض في هذا السياق إلى التعبير عن مخاوف من استفزاز النعرات الجهوية أو القبلية لدى السكان وما قد ينجم عنها من مس بالوحدة الوطنية.

أتت إذن حملة “وينو البترول” في سياق محلي مشحون بالمخاوف الأمنية واستقطاب سياسي جغرافي بالإضافة إلى سياق إقليمي معقد (ظهور تنظيم الدولة الإسلامية، الحرب في ليبيا، عدم الاستقرار في الجزائر، عودة النظام العسكري في مصر، مخاوف أوروبا من الإرهاب والهجرة…) فزادت كل هذه العوامل من الضغط على الدولة لكبح هذا الحراك.

تمكنت الحملة من فرض مسألة الشفافية على قطاع النفط والبترول على الساحة الإعلامية لمدة وجيزة غير أن عملية سوسة الإرهابية قطعتها فجأة خاصة بعد أن ربطها رئيس الدولة بالإرهاب معتبرا أنها ترهق القوات الحاملة للسلاح وتلهيها عن مجابهة هذا الخطر كما أفقدها التسيس شعبيتها ومصداقيتها.

في الختام، يمكننا أن نستخلص من تجربة الحركات الاجتماعية التونسية في السنوات الأخيرة أن دورها في طرح مسألة العدالة الاجتماعية قد يكون فعالا ويصل إلى حد الإطاحة بنظام قائم منذ عشرات السنين غير أنها تبقى غير قادرة على بلورة استراتيجيات تنأى بها عن عدة عراقيل منها:

  • الاستقطاب السياسي الإسلامي/العلماني.
  • الافتقاد للقدرة على التنظيم والتعزر بحجج تكسبها مصداقية وتخرجها من الشعارات الفضفاضة.
  • صعوبة المحافظة على الطابع السلمي للاحتجاجات عند القمع.
  • ضعف خبرتها في التواصل والتعامل مع الإعلام.
  • وخاصة صعوبة التعامل مع المعطى الأمني في جو مشحون بالاستنفار والمخاوف من الإرهاب.

يصعب طبعا تجاوز هذه الصعوبات في ظل غياب أطر قوية ومعترف بها. فحراك الحوض المنجمي تمكن من الصمود لأسباب عدة أهمها اللحمة التي عرفها الحراك وقدرته على كسب تعاطف أطراف فاعلة أخرى كأحزاب المعارضة وجمعيات المهاجرين وأغلب النقابيين فأضفت هذه الأطراف المنظمة طابعا فعالا على حراك شعبي نشيط. ولعل من أهم الأسباب التي جعلت الأطراف تتكتل لدعم الحوض المنجمي وجود عدو مشترك. فالتحدي أمام التحركات الاجتماعية في تونس اليوم هو خلق التآزر حول قضية واحدة في غياب عدو مشترك ومع الأخذ بعين الاعتبار العنصر الأمني كمعطى مبدئي وعالمي لا مناص منه.

الخيارات الراديكالية البديلة للمجتمع المدني في علاقة بقضية العدالة الاجتماعية

ظهر في تونس بعد “الثورة” كم هائل من الجمعيات يعنى الكثير منها بمختلف الموضوعات المرتبطة بالعدالة الاجتماعية (التنمية الجهوية والمحلية، الحقوق السياسية، الحقوق الاقتصادية، الفئات الضعيفة والمهمشة…) وأصبح البعض منها على قدر كبير من الحرفية والجدية الأمر الذي وسع المجال السياسي المتاح للمجتمع المدني حتى أصبح يشارك مباشرة في اتخاذ القرار والتأثير فيه. ويتمتع هذا القسط من الجمعيات بإمكانيات عالية من تقنيات المناصرة والتواصل الحديثة وكذلك بصدى جيد ومصداقية لدى الرأي العام يمكنها من تنمية قدراتها على التأثير في السياسات الحكومية إما بالتوجه مباشرة لأصحاب القرار أو بالتعبئة عبر شبكاتها الخاصة وعبر الاعلام. هذا العمل الجمعياتي يمكن وصفه بالمعتاد، حيث أنه ينضوي تحت الأطر القانونية والمعايير المتعارف عليها للمطالبة والمناصرة والتأثير غير أننا نجد فصائل أخرى من الجمعيات تلتجئ لتحقيق قسط أكبر من العدالة الاجتماعية، إلى أشكال أخرى من العمل النضالي الذي يفوت المطالبة ليصل إلى الافتكاك واسترجاع ما يعتبره حقا تم الاستحواذ عليه. وهذه الطرق الراديكالية للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحفاظ عليها، رغم كونها غير قانونية، فهي تسمح بوضع السلطات أمام الأمر الواقع ومن ذلك إجبارها على التعامل مع المجتمع المدني بأكثر إيجابية إذا لم تستطع إيقافه.

من التجارب الناجحة في تونس في هذا المجال يمكننا ذكر “هنشير ستيل” بقرية جمنة. مقال صحفي صادر في مدونة نواة يروي قصة مجموعة من السكان الذين استرجعوا “هنشير”، أي أرض زراعية شاسعة، بعد أن كان افتكها الاستعمار ثم استحوذت عليها الدولة في إطار استعادة الأراضي الفلاحية بعد الاستقلال ومن ذلك قامت بتأجيرها إلى مستثمر تونسي لم يستغلها على أحسن وجه ولم يعد استثماره بالنفع على أهل المنطقة. غير أن السكان، أي الأصحاب الأصليين للأرض اغتنموا فرصة الانفلات فترة الثورة لبسط سلطتهم الشعبية والتشاركية على الهنشير. حاليا، تقوم الجمعية المحلية “جمعية حماية واحات جمنة” المتكونة من سكان متطوعين بإدارة الأعمال وبالتفاوض مع الدولة لتسوية الوضعية العقارية والإدارية للأرض.

“بدأ الواقع الجديد الذي فرضته الجمعيّة، بنجاحها في الاحتفاظ بالضيعة طيلة الأربع السنوات الماضية، يدفع حتّى بعض المسؤولين المحلّيين إلى تبنّي وجهات نظر غير “أرثودوكسيّة”. فرغم تحفّظه، لاحظنا في حديثنا مع السيّد حسين مقداد، المدير الجهوي للشؤون العقاريّة، تقبّلا ضمنيا لفكرة إمكانيّة فسخ عقد الإيجار مع المستأجرين السابقين. إذ ينصّ العقد المبرم معهما في فصله عدد 15 على إمكانية أن تسترجع الدولة الأرض قبل حلول الأجل “لإنجاز مشروع مصرّح به ذو مصلحة عموميّة”. كذلك لاحظنا في حديثنا مع السيّد فائز مسلم، المندوب الجهوي للتنمية الفلاحيّة انفتاحا على فكرة أن يتمّ استغلال الضيعة في شكل تعاونية ينشئها أبناء المدينة.

لكن تجدُر الملاحظة أنّ ما تقوم به جمعية الدفاع عن واحات جمنة، يذكّر إلى حدّ كبير بمفهوم “الشركة الاجتماعيّة” المنتشر في البلدان الأنجلوساكسونية وفي ايطاليا وأمريكا اللاتينيّة. وهو يعني باختصار شركات تخضع لقوانين السوق الرأسماليّة، لكن تتمثّل غاية وجودها في خدمة المجتمع المحلّي، عبر تمويل مشروعات تُعنى بشكل أولويّ بالفئات الأكثر احتياجا وتهميشا. لكن رغم نصّ الدستور في الفصل 12 على مبادئ “العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتمييز الإيجابي”، لا نجد بعد في التشريع التونسي قانونا يشجّع على إنشاء هذا النوع من الشركات، أو على الأقّل يسهّل الأمر على المبادرين إلى بعثها”.

تثبت هذه التجربة أنه حين يتشبث المجتمع المدني بمطلب واضح ويتنظم من أجل إدراكه ويلم بخلفياته وأفقه فهو قادر على فرض احترام السلطات حتى ولو كان مطلبه غير قانوني. بل أنه يتمكن حتى من تطوير القانون لجعله أكثر تلاؤما مع حقيقة الأوضاع الاجتماعية فهنشير ستيل يطرح اليوم بقوة موضوع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني الذي يفتقد في تونس للأطر القانونية اللازمة.

الخاتمة

حاولنا في هذه الورقة رصد الدور الذي يلعبه المجتمع المدني التونسي في قضية العدالة الاجتماعية بالاستناد إلى عدة تجارب خاضها في الماضي القريب وما زال يخوضها. رغم أن دراستنا تفتقد للشمولية وللمسافة الزمنية الضرورية يمكننا إدراك ثلاث استراتيجيات مختلفة توختها مكونات المجتمع المدني في الأربع سنوات الأخيرة للتعامل مع السلطات والتأثير في قضية العدالة الاجتماعية.

أما الأولى فهي استراتيجية الحوار والوفاق وقد توخاها كل من الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وكذلك الجمعيات التاريخية (الرابطة التونسية لحقوق الإنسان وهيئة المحامين). أما الثانية فهي المواجهة وهي الطريقة المعتمدة من طرف الحركات الاجتماعية الاحتجاجية. أما الثالثة فيمكن نعتها بالالتفافية وقد اعتمدتها مجموعة قرية جمنة المذكورة سابقا على سبيل المثال.

يأتي الاختلاف في سبل التعامل مع السلطة من الاختلاف في طبيعة مكونات المجتمع المدني المدروسة. فالمجموعة الأولى يتم الالتجاء إليها نظرا لشرعيتها التاريخية ولقدرتها على التعبئة مما يجعلها اليوم تلعب دورا جديدا في تاريخ تونس ما بعد “الثورة” قد لا ينطبق مع مقومات النضال من أجل العدالة الاجتماعية فقدرة هذه المجوعة على التأثير لم تتجلى –أو لم تستعمل- في هذه المرحلة.

أما الاستراتيجية الثانية الخاصة بالتحركات الاجتماعية فإن تمكنت من الإطاحة بالنظام سنة 2010 فهي لم تكن قادرة على سن نظام جديد أكثر عدالة. فقدرة هذه المكونات على التأثير يحدها الاستقطاب الثنائي والتسييس الحزبي وفقدان التنظيم والرؤية الاستشرافية. وهي سرعان ما تهمش أمام الضرورات الأمنية التي تجعل جميع المطالب المتعلقة بالعدالة الاجتماعية (والعدالة بصفة عامة) تضمحل.

يبدو أن خلافا للتوقعات، لا تتمكن إلى المجموعات الصغيرة والهامشية من تحقيق نجاحات تتمثل في توسيع المجال السياسي للتأثير في قضية العدالة الاجتماعية شيئا فشيء وهي التي تعتمد استراتيجية نعتناها بالالتفاف تتمثل في وضع السلطات أمام أمر واقع يفرض عليها أخذ مطالب المجموعة بعين الاعتبار. في تجربة قرية جمنة، اعتمدت هذه الاستراتيجية على رفع مطلب وحيد وواضح والتهيؤ لمجابهة السلطات بتعبئة محلية محكمة وبحجج مبنية فلم تجد السلطة خيارا آخر سوى التعاطي مع الأمر الواقع بإيجابية. قد تدخل أيضا في إطار استراتيجية الالتفاف طريقة عمل بعض الجمعيات الحديثة العهد التي عملت على بناء مصداقيتها وتموقعها والإلمام بمواضيع نشاطها قبل مواجهة السلطات والتفاوض معها فتجد هذه الأخيرة مجبرة على أخذ بعين الاعتبار نقد الجمعيات ومقترحاتها وبذلك تتمكن هذه المكونات من المجتمع المدني من التأثير في السياسات وتحقيق مكاسب في قضية العدالة الاجتماعية.

Start typing and press Enter to search

Shopping Cart