الباقون على حافة الحياة في مصر.. حكايات من ملف العدالة الاجتماعية

الباقون على حافة الحياة في مصر.. حكايات من ملف العدالة الاجتماعية

دراسة ضمن كتاب: الفجوات الاجتماعية والفوارق الطبقية في المنطقة العربية

سيدة أربعينية تحمل ملامحها سنوات تزيد عن الخمسين، تجلس على الأرض في حجرة ضيقة، ليس بها إلا حصيرة بالية، دون أي أثاث على الإطلاق. وتجمعها جدران حجرتها، التي أزال الزمن لونها فأصبح كالحا، مع ابنها الصغير وزوجها في مشهد واحد من مشاهد الفيلم التسجيلي “مستورة” الذي اختارته وزارة التضامن الاجتماعي في مصر عنوانا رئيسيا لاحتفالية كبرى، أقيمت في واحد من أفخم فنادق مصر على النيل للتدليل على مدى نجاح برنامج الحماية الاجتماعية للفقراء. وكان على رأس مشاهدي الفيلم رئيس وزراء مصر شريف إسماعيل.

 الاحتفالية كانت جزء من الحملة الإعلامية التي تقوم بها الحكومة لإقناع المصريين ومؤسسات الإقراض الدولية بفعالية برنامج “تكافل وكرامة” في تخفيف وقع الإصلاح الاقتصادي كما تسميه الحكومة. البرنامج بدأ العام الماضي قبل اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي الذي وقع مؤخرا. والذي أسرع كثيرا بوتيرة الإجراءات الحكومية التقشفية التي تعهدت مصر بالسير قدما فيها من أجل الحصول على 12 مليار دولار من الصندوق على مدى ثلاث سنوات، على أن تبدأ الدفعة الأولى هذا العام. وتتلوها قروض أخرى تصل مجملها إلى 21 مليار دولار. أي أن البرنامج لم يكن مصمما لتلافى التداعيات على حياة السيدة مستورة وأربابها من تدهور مؤكد وليس محتمل في مستوى معيشتها جراء الاتفاق مع الصندوق، ولكن لتخفيف حدة الفقر الذي ترزح تحته منذ نعومة أظافرها من جراء سياسات النيوليبرالية التي أتبعتها حكومات قبل ثورة يناير، وعادت بكل ملامحها بعدها لكي تزيد الفجوة اتساعا بين أول درجات السلم الاجتماعي وأخره. بحيث أصبح الناتج المحلى الذي يتحقق على مستوى الوطن من عرق الرابضين أسفل السلم، لا يحصدون من خيره سوى نسبة الثلث فقط، أما الـ70% الباقية من خير نفس الوطن فهي من نصيب هؤلاء “المتشعبطين” في أخر طرف السلم من أصحاب الأعمال، ورؤوس الأموال، ومالكي الأصول، والفوائد، والريع وذلك تبعا لتقديرات المجلس القومي الأجور في مصر.

 والبرنامج هو نظام للحماية الاجتماعية يتيح لشريجة من الفقراء من المصريين دعما نقديا متواضعا، يقل فعليا عن قيمة حد الفقر في مصر، والذي يبلغ (482 جنيها للفرد في الشهر) تبعا لأحدث بحث للدخل والإنفاق لعام 2015 الذي أصدره جهاز الإحصاء منذ شهر أي ما يوازي حوالي 43 دولارا شهريا. ولكنه يزيد قليلا عن حد الفقر المدقع (321 جنيها) للفرد في الشهر. أي ما يوازي حوالي 29 دولارا. والذي يندرج أسفله 5.3% من سكان مصر، تحت توصيفات مختلفة لخبراء الاقتصاد ما بين فئة المعدمين أو المطحونين. وهؤلاء المطحونون زادت نسبتهم ما بين العامين الماضيين بنسبة حوالي 1% تبعا للأرقام الرسمية.

في حين أن تلك الشريحة كانت قد تراجعت نسبتها قبل الثورة. فما بين عامي 2008 و2012 انخفضت شريحة الفقراء المعدمين بنسبة 1.3% وربما كان هذا التراجع عائدا إلى اتساع الفئات التي اضطرتها الظروف إلى العمل في أعمال هامشية تبدأ من توصيل الطلبات للمنازل، ومنادي السيارات والبائع الجائل، وتنتهي بأعمال البلطجة والحراسات التي زاد الاحتياج لها بعد ثورة يناير 2011. وربما كان العائد المادي من تلك الأعمال في مجموعه قبل الثورة يكفي لإخراج البعض من دائرة الفقر المدقع، والانتقال به إلى الدائرة الأرقى، وهي خانة الفقر القومي. تلك الخانة التي ينحشر فيها الأن 27.8% من المصريين. وهؤلاء البشر هم الذين لم يستطيعوا تحمل كلفة توفير السلع الغذائية الأساسية التي تحوي قدرا من السعرات الحرارية تكفيهم للبقاء على قيد الحياة. بالإضافة إلى توفير الاحتياجات الضرورية مثل المسكن والمواصلات وهو التعريف الرسمي لجهاز الإحصاء في مصر لتلك الخانة التي تحوي بشرا يجمعهم صفة الفقراء الذين عجزت ظروفهم على توفير نفقات المكون الغذائي وغير الغذائي.

***

وربما ما تقوله في الفيلم السيدة (مستورة) وهذا هو أسمها، وليس له علاقة بحالتها الاجتماعية، والتي تعيش في إحدى قرى بنى سويف في صعيد مصر من أنها لا تستطيع أن تحلم مجرد الحلم بأن ابنها الذي ما زال في المرحلة الابتدائية قد يصبح ذات يوم طبيبا. وبشكل تلقائي تقول “مش حنعلى كدة على الله”. وفي الواقع هي تدرك حقيقة وضعها الطبقي، الذي مهما تحسن بفعل حماية اجتماعية متواضعة، لن يزيد عن فقط إبقائها هي وأسرتها على قيد الحياة، وليس أكثر. وتدرك ذات النتيجة التي أخرجتها دراسات اقتصاديه من أن فرصة دخول كلية الطب والهندسة لا تزيد عن 3% بالنسبة لمن يعيش مثلها في شريحة الـ20% الأفقر من المصريين القاطنين في ريف الصعيد، ومن أبوين أميين. بل ليس لدى أحد ممن يقع في شريحة الـ20% الأفقر في مصر فرصة أن يدخل الجامعة من الأساس سوى 9% فقط. وذلك تبعا لدراسة للدكتور راجي أسعد المدير الإقليمي السابق لمجلس السكان الدولي لمنطقة شمال أفريقيا والمقدمة لمنتدى لمنتدى البحوث الاقتصادية بالقاهرة حول “تكافؤ الفرص في التعليم”. ويزداد الأمر سوء عندما نقارن بين علاقة الطبقة الاجتماعية بنوعية الوظائف. حيث أن نصف الشباب الذين أنهى آباؤهم التعليم الثانوي هم الأكثر حظا في الحصول على وظيفة في القطاع الرسمي كأول عمل بعد التخرج. وهذه النسبة تصل إلى 35% بين الشباب لأباء أقل تعليما. لتدخل الأسر الفقيرة في دائرة مفرغة تورثها لأبنائها وهو ما أظهرته دراسة لمجلس السكان الدولي حول “العدالة والإنصاف في التحاق الشرائح الاجتماعية المختلفة بالتعليم الجامعي”.

والحقيقة الواضحة في فيلم “مستورة” أن فرص أهل تلك السيدة في أن يرتقوا إلى أي درجه من درجات السلم الاجتماعي في مصر معدومة. وإن كل برنامج الحماية الذي وصل إليهم بعد رحلة شاقة لإثبات جدية سوء أحوالهم المعيشية، وتجذر فقرهم إلى درجة يصعب تفاديها، لن يغير من أوضاعهم شيئا. الحماية سوف تحافظ عليهم فقط في صف أقرانهم المعدمين دون أن يسقطوا لأدنى لأن هذا هو الدرك الأسفل. والسبب كما يظهره السيناريو العفوي لها. أن أموال كرامة التي حصلت عليها تلك السيدة لم تكف سوى لدفع ثمن تحاليل وأدوية لمرض تليف الكبد الذي تم تأجيل علاجه لسنوات كانت كافية لاستفحال وهن جسدها. إلى جانب شراء كيلو لحم. وكان طبيعيا أن تجيب على سؤال من مسؤولي برنامج (تكافل وكرامة) عن أمنيتها فتقول بكل صدق “عايزة كل حاجة”. والبرنامج الذي بدأ منذ عام لا يرقى طموحه إلا إلى الوصول إلى مليون ونصف المليون أسرة حتى العام المقبل. وهو ما يجعل الوصول إلى طابور المطحونين يحتاج لسنوات قد تطول، بدرجة يصبح عندها الوصول إليهم عديم الجدوى.

***

السيدة مستورة وكل من يقف معها في ذات الصف الاجتماعي الذي يضطره ضيق الحال إلى الاستغناء عن بنود كثيرة مثل الصحة والتعليم، من أجل سد احتياجاتهم الغذائية، التي تستقطع وحدها نصف إجمالي إنفاقهم سيكون عليهم من الأن التضحية ببنود أخرى. خاصة بعد ما بدأ عدد من الإجراءات الحكومية يدخل حيز التنفيذ مصحوبا بدعاية صاخبة في الإذاعة المصرية وفى الطرقات وعلى أعمدة الكباري. دعاية تبشر بأن” الإصلاح الجريء يقصر الطريق”. ولكن لم يكن صاحب ذلك الشعار جريئا بدرجة كافية كي يعلن عن نفسه فجاء الإعلان فاقد النسب. وربما لم يجاف الشعار الحقيقة. فما يحدث بالفعل هو عين الجراءة. الحكومة تعهدت لصندوق النقد الدولي أنها سوف لا تدخر جهدا في سبيل اتخاذ كل ما هو اجراء تقشفي من أجل ضبط العجز في موازنة الدولة. فتفرغ وزير المالية ومساعدوه للقيام بزيارات مكوكية يومية لمجلس النواب المصري. وكللت المساعي الحكومية بالنجاح، وخرج للنور قانون ضريبة القيمة المضافة بديلا لضريبة المبيعات. تلك الضريبة التي ستضيف -باعتراف رسمي- عبئا تضخميا جديدا يبلغ مقداره حوالي 2.5% يتحمله المستهلكون. وهو تقدير متواضع لمن عرف طبيعة السوق المصري وتداعيات فرض ضريبة جديدة.

وتأتى الضريبة التي تبلغ نسبتها 13%، تزيد العام المقبل إلى 14%، على كافة السلع والخدمات باستثناء مجموعة محددة معفاة من الضريبة. ليتحملها المستهلكون جنبا إلى جنب، سواء السيدة مستورة ومن على شاكلتها، أو قائمة رجال الأعمال المصريين المذكورة أسماءهم في قائمة فوربس ضمن أغنى أغنياء العالم وأقرانهم.

 ولعل الأثر الفوري الذي ستدركه عائلة مستورة قبل غيرها هو ارتفاع أسعار السجائر. التي زادت بنسبة فاقت الـ25%. فإذا كان زوجها والذي ينتمي لفئة الأرزقية التي يأتي لهم الرزق يوما ويغيب أياما أخرى، وغيره كثيرون في نفس الخانة الجهنمية (الـ10% الأكثر فقرا) ينفقون 5.7% من استهلاكهم على الدخان. وهو ما يزيد بأكثر من الضعف عن نسبة ما تنفقه الشريحة الأكثر غنى. فإن هذا يعنى أن جراءة الحكومة ستقع على الأفقر، بأقسى كثيرا مما ستقع به على رأس الأغنى.

وسيكون على السيدة بطلة الفيلم أن تضحي هي وأولادها مرة أخرى بالتنازل عن بند أخر من بنود الحياة الصعبة. والخانة الجهنمية التي تضم السيدة مستورة وأقرانها غالبا ما تحتفظ بأصحابها دون تغيير لأسباب عديدة منها أن فرصتهم في التعليم الجامعي عادة تكون شبة معدومة، ولإن التعليم ما زال قادرا على إخراج الفقراء من فقرهم. حيث أن نسبة الفقراء في الحاصلين على شهادات جامعية لا تتعدى 7% تبعا لنتائج بحث الدخل لعام 2015، وهى تقل عما كانت عليه في البحث السابق 2012. وبما أنهم محرومون من تلك الفرصة، ولإن القادم من السياسات المتعلقة بميزانيات التعليم الحكومي لا تنبأ بأن تحولا في صالح الفقراء سوف يأخذ طريقه إليهم. بل على العكس بدأ يكثر الحديث حاليا عن إلغاء مجانية التعليم خاصة الجامعي من جانب فريق المجلس الاستشاري الرئاسي. بل حتى تطبيق الاستحقاق الدستوري بتحديد نسبة الإنفاق على الصحة والتعليم في موازنة الدولة إلى 10% قد تم التحايل عليه وتجاوزه، بفعل برلمان منحاز في غير صالح السيدة الجالسة على الأرض في انتظار الستر. لكل ذلك فالأمل في خروج أسرة السيدة مستورة وأقرانها من الدائرة الجهنمية ما زال بعيدا.

***

من المؤكد أن سيدة الفيلم لم يصل إلى أسماعها بتاتا أن نسبة التضخم السنوي، التي أعلنت في ذات اليوم الذي صدرت فيه الضريبة الجديدة قد وصلت إلى 16.4% في شهر أغسطس مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي. وهي النسبة الأعلى منذ ثمان سنوات. ولكنها بلا شك تشعر بحدسها بأن بند الخضروات زاد وحده بنسبة 41%. وأن الأرز زاد بنسبة 53%. وأن بند الرعاية الصحية قد قفز بنسبة تعدت الـ30%. أما الزيادات في بقية البنود التي أعلن عنها جهاز الإحصاء فقد أدركت نسبة ارتفاعها عندما اضطرت أن تشطبها من طلبات بيتها. وقد أظهرت دراسة أعدها مركز العقد الاجتماعي التابع لمركز معلومات مجلس الوزراء إلى أن تكلفة معيشة أغنى 10% من المصريين تزيد بنسبة أقل من نسبة زيادة تكلفة الشريحة المماثلة الأكثر فقرا، عندما ترتفع أسعار الغذاء ضمن الرقم القياسي لأسعار المستهلكين وهو ما يزيد من التفاوت الاجتماعي. واستنادا إلى أخر بحث للدخل فإن نسبة استهلاك الشريحة العليا للغذاء تبلغ 19.5% في الحضر مقابل 44.5% للأفقر في الحضر.

 فإذا كانت ما تحصلت عليه تلك السيدة من مساعدات نقدية، لم يفي باحتياجاتها قبل جراءة الإصلاحات فما بالك وأن وتيرة الجرأة أخذه في الاتساع. فقد أعلنت الحكومة عن خطتها في تخفيض كل أشكال الدعم سواء دعم الطاقة الذي سيتم رفعه بالكامل بعد 3 سنوات من الأن. بما فيه الكهرباء التي قررت الحكومة خفض الدعم الموجه لها بنسبة 20% هذا العام، والغاز الطبيعي، وتخفيض دعم الغذاء بعد ما تم اتخاذ خطوات في تحويله من دعم عيني إلى دعم نقدي، ورفع أسعار المياه وهو ما تم بالفعل في بداية العام الحالي وطبق على شريحة (آل مستورة) بنسبة 30%. وبدأت أول القصيدة برفع أسعار الكهرباء على مستهلكي الشرائح الأدنى والتي تبدأ من استهلاك شهري قدره 50 كيلو وات. أي أن ارتفاع أسعار الكهرباء طال حتى هؤلاء البشر الذين يعيشون تحت بير السلم. ورفع الدعم بالكامل عن هؤلاء الذين يستهلكون فوق 1000 كيلو واط في الشهر ويندرج تحت هذه الفئة شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة.

***

وطبقا للدفاتر الرسمية فأن “مستورة” مسجلة ضمن أصحاب البطاقات التموينية الذين يحصلون على دعم من الحكومة قدره 18 جنيها كل شهر لكل فرد من أسرتها. أي ما يوازي حوالي دولارين. وهذا الدعم الذي كثيرا ما تلوح الحكومة بأنه سببا رئيسيا من مصادر عجز الموازنة لا يوفر لأسرة السيدة مستورة ومن داخل دائرة العشرة في المائة الأكثر فقرا الأخرين سوى 10.5% من إجمالي استهلاكهم من الغذاء. ولذلك لا يبدو غريبا أن 92% من المعرضين لخطر انعدام الأمن الغذائي من هؤلاء الذين يحملون بطاقات تموينية. وأن نصف هذه الأسر تستهلك هياكل وأجنحة الدواجن، ورؤوس الأسماك، وعظام المواشي، والنكهات أكثر من يومين في الأسبوع. طبقا لدراسة أعلنها جهاز الإحصاء في يوليو الماضي عن “خصائص الأسر المعرضة لانعدام الأمن الغذائي”.

وبالرغم من تلك الحقيقة التي تعلن عنها الجهات الرسمية من أن البطاقات التموينية بالكاد تسد جزء يسير من رمق الأسر الهشة، إلا أن هناك محاولات حثيثة تبذلها الحكومة من أجل اجتثاث جزء كبير من البطاقات التموينية بدعوى عدم استحقاق أصحابها. استنادا إلى أن نسبة تغطية البطاقات التموينية داخل شريحة الـ10% الأغنى تصل إلى 77%. إلا أنه بنظرة فاحصة يتبين واقعية تلك النسبة لأن تلك الشريحة الاجتماعية الواقعة في دائرة العشرة المبشرين بالغنى، هم في حقيقة الأمر شريحة واسعه تضم الأسر التي يصرف الفرد فيها 1000 جنيه في الشهر أي ما يعادل حوالى 90 دولارا، وتضم في ذات الوقت الأسر التي يصرف الواحد منهم ملايين الجنيهات. فإذا كان 77% من تلك الشريحة تحصل على بطاقة تموينية فإن هناك أقل من 3% في تلك الخانة وهم الأغنى لا يحصلون على البطاقة المدعومة وبالفعل هؤلاء هم غير المستحقين فقط بحكم مكانتهم الاجتماعية.

***

ولم تخل جعبة الجراءة الحكومية من المزيد من الإجراءات التقشفية وأحدث ما تصبو إلى اخراجه هو قانون الخدمة المدنية التي يستهدف الحد دون مواربة من عدد موظفي الحكومة، وتعقيم الأجور بعد أن حملتها الحكومة وزر العجز في الموازنة استنادا إلى أن الزيادة في هذا البند تضاعفت من 85 مليار جنيه قبل الثورة إلى 228 مليار جنيه. وهذا القانون من شأنه منع تعيين أي عمالة مؤقتة، ولا إحلال لعمالة جديدة بدلا من التي تخرج على المعاش. أي أن الحومة ستفقد كل عام 200 ألف موظف بالخروج على المعاش. إلى جانب إعطاء صلاحيات واسعة لإنهاء خدمة كبار الموظفين.

والحقيقة الغائبة التي تتجاهلها الحكومة الجريئة أن الإجراءات التقشفية في مجملها تحد من الاستهلاك. والذي كان النمو الذي تحقق في السنوات الأخيرة مسنودا عليه بدرجة كبيرة، ويعتبره البعض بمثابة قاطرة تشد الفقر إلى أسفل. فكل نمو مئوي في متوسط الاستهلاك مقداره 1% يترتب عليه نقص في مؤشر عدد الفقراء بنسبة 2.79% في حضر مصر، وبنسبة أقل قليلا في المناطق الريفية. وذلك طبقا لما جاء في دراسة أعدتها دكتورة هناء خير الدين أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة.

***

تتجرأ الحكومة وتتقشف على “مستورة” ومن يشبهها من فئة الأولى بالرعاية، ولكن تفقد رباطة جأشها عندما يأتي الدور على الشريحة الأولى بالتقشف. فبينما هي تستقطع من كل أنواع الدعم تضاعف من قيمة دعم الصادرات الذي يستأثر به عدد محدد من رجال الأعمال منذ سنوات. فبينما جاءت أول موازنة بعد الثورة لتستقطع جانبا كبيرا من هذا الدعم لصالح استحداث ما عرف وقتها لأول مرة ببند إعانة بطالة. إلا أنه في الموازنة الجديدة سوف يزداد دعم الصادرات إلى الضعف ليصل إلى 6 مليارات جنيه. إلى جانب أن الحكومة سوف تبدأ في منح شركات الحديد تخفيضا في سعر الغاز الطبيعي من 7 دولارات إلى 4 فقط. وهو ما فتح الباب واسعا لممارسة الضغوط من جانب أصحاب النفوذ والقريبين من سلطة اتخاذ القرار، من أجل المعاملة بالمثل لقطاعات أخرى مثل الأسمنت والزجاج والسيراميك. وفضلت الحكومة أن تتعامى عن الحقيقة التي جاءت في تقرير التنافسية المصرية لعام 2014 -2015 من أن نسبة الإسراف في استخدام الغاز في مصانع الحديد في مصر تبلغ 25%، وتصل النسبة إلى 50% بالنسبة لمصانع الأسمنت. أما مصانع الزجاج فيصل حد الإسراف في الغاز المدعم إلى 70%.

أما المعركة التي ستكون أكثر شراسة والتي يقترب موعدها مع قدوم العام الجديد هو إعادة الضرائب التي تم تجميدها لمدة عامين حيث تنتهي في مايو المقبل، وهي ضرائب البورصة 10% على الأرباح الرأسمالية التي تتحقق من بيع وشراء الأسهم، وعلى توزيعات الأرباح. والتي كان الأمل معقودا على أن تحقق مواردا للدولة تصل إلى ما يزيد عن 7 مليارات جنيه في العام طبقا لتقديرات وزير المالية السابق هاني قدري. إلى جانب ضريبة الأغنياء المؤقتة التي كانت نسبتها 5%، وحان آجل تطبيقها مرة أخرى.

***

والحقيقة أنه مع كل خسارة تحققها الحكومة في معركة الاقتراب من ثروات الشريحة الأعلى التي تحتل سطح السلم الاجتماعي، هي على الجانب الأخر تخسر معركة تخفيف حدة فقر الشرائح في أسفل السلم. وبالتالي تتعمق الهوة ويزيد الفقر حدة بدرجة يصعب معها حتى الثبات في نفس درجة السلم. لإن زيادة التفاوت في توزيع الدخول بنسبة 1% فقط كفيلة برفع مؤشر عدد الفقراء بنسبة 3.6% في الحضر، و1% في الريف تبعا لنفس دراسة الدكتورة هناء خير الدين. ويكفي دليلا على أثر عدم العدالة أو عدم المساواة في تعميق الفقر، أن ما تحقق من نمو اقتصادي في الفترة ما بين عامي 2005 و2008 كان من الممكن أن يحقق خفضا للفقر بنسبة أعلى كثيرا مما تحقق لو كان مصحوبا بعدالة في توزيع الدخل طبقا لبحث قدمته الدكتورة هبة الليثي أستاذ الإحصاء بجامعة القاهرة لمركز العقد الاجتماعي عن “الأثار الاجتماعية للأزمة المالية على الاقتصاد المصري”.

وربما على الحكومة أن تنشغل بمعضلة لم تدركها بعد وهي: أن هناك شريحة واسعة من أمثال “مستورة” لم تصدق، بالرغم من كل ما تجرأت الحكومة على فعله معها، أن العقد الاجتماعي القديم بين الحكومة وشريحة المستورين أقران مستورة والذي يقضي ضمنا بأن تتولى الدولة مسئولية توفير متطلبات حياتهم المعيشية من مأكل وملبس ومسكن ووظيفة، في مقابل الرضا بالحال، وعدم المناداة بأفضل مما هم عليه، وترك مفتاح القرار في يد الدولة دون أن تطالبها المشاركة في صنعه. والأن حان الوقت لكي تعلن الحكومة عن فض العقد، ويبقى أن تعلن مستورة عن عدم الرضا بالحال، بل وتطالب باقتسام خير الوطن بالعدل.

وتظل لافتات “الإصلاح الجريء يقصر الطريق” ترفرف في هواء القاهرة دون أن نعرف تقصر طريق من، وفى أي اتجاه؟

Start typing and press Enter to search

Shopping Cart