سوريا: التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، الانعكاسات والنتائج

سوريا: التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، الانعكاسات والنتائج

دراسة ضمن كتاب: الفجوات الاجتماعية والفوارق الطبقية في المنطقة العربية

الثورة الشعبية في سوريا بدأت نتيجة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970. وهذه التغيرات تندرج في سياق السيرورة الإقليمية والعالمية لتطبيق السياسات النيوليبرالية منذ ذلك العقد. وتسارعت السياسات النيوليبرالية بشكل هائل عندما تولى بشار الأسد السلطة عام 2000 بعد وفاة والده. هذه السياسات، المتسارعة مع القمع الفظ لأي احتجاج للطبقة الشعبية أو العاملة منذ أوائل الألفية الثانية، أدت إلى آثار مدمرة.

لوضع الأمر في سياقه، لم تستفد الطبقات المهمشة من النمو الاقتصادي في سوريا، والذي كان قد بلغ وسطيا 5% خلال السنوات التي سبقت بداية الانتفاضة (1). على العكس، استمرت حدة التفاوت فيما يتعلق بالثروات بالازدياد.

على سبيل المثال، حسب تقرير لبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة (2)، ارتفع مقياس عدم المساواة (معامل جيني) من 0.33 إلى 0.37 بين عامي 1997 و2004. بين 2003-2004 لم يساهم أفقر 20% بأكثر من 7% من إجمالي الإنفاق، في حين غطى أغنى 20% نسبة 45% منه. استمر هذا الوضع بالتصاعد حتى مطلع الثورة.

النمو الاقتصادي خلال نظامي الأسدين تأسس بشكل رئيسي على عائدات التأجير، معتمدا على عائدات تصدير النفط، والمعونات الاقتصادية على أساس مواقف سياسية (3) وتدفقات رأس المال بما في ذلك التحويلات. هذا النمو المعتمد على التأجير كان مناهضا للتنمية بشتى الطرق.

خلال حكم النظامين الأسديين، تم تشجيع الاستثمارات الحرفية والاستثمارات منخفضة الجودة في الخدمات، العقارات، المواصلات والمشروعات العائلية التي خدمت المصالح الخاصة عوضا عن العامة (4).

أظهر تقرير الأمم المتحدة آنف الذكر، أن معدل البطالة عشية الانتفاضة في مارس 2011 كان قد وصل إلى 14.9% حسب الأرقام الرسمية، وبين 20-25% وفق مصادر أخرى. وصل معدل البطالة بين الشباب إلى 48% وهو أكثر بست أضعاف من معدلاته بين الناضجين (5).

في عام 2007 -وفق ذات التقرير- وصلت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 33% أي ما يعادل حوالي 7 مليون نسمة. في حين كانت نسبة 30% من السكان فوق الحد تماما. حتى اتحاد غرف التجارة السوري العام والمسيطر عليه من قبل النظام حذر عام 2009 أن “الأغنياء ازدادوا غنى والفقراء فقرا (…)” وأن “صغار الكسبة الذين يمثلون 80% من الشعب السوري يبحثون عن عمل إضافي ليعيلوا أنفسهم”((6).

كان لهذا الارتفاع في نسب الفقر وعدم المساواة الاجتماعية آثاره الجندرية أيضا، على سبيل المثال كان معدل البطالة بين الشابات يقارب 4 أضعاف المعدل لدى الشباب في 2007 (7). خسرت النسوة حوالي نصف وظائفهن بين عامي 2001-2007، في حين ازدادت هوة قدرة الحصول على عمل بين الجنسين في المناطق الريفية مقارنة بالمدينية (8).

أرضت السياسات النيوليبرالية الطبقات الاجتماعية الأغنى في سوريا والمستثمرين الأجانب، خاصة من الممالك الخليجية وتركيا. حيث لم تكن هذه الدول على عداوة مع النظام السوري قبل الثورة، وكان ذلك على حساب الغالبية العظمى من السوريين، المتضررين من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة في حين تم تقليص الخدمات والاستثمارات العامة (الصحة، التعليم، الإسكان) بشكل واضح (9).

في هذا الإطار، تواجد فعلا ظلم مؤسساتي مناطقي قبل الانتفاضة في 2011، ازدادت حدته مع السياسات النيوليبرالية المتسارعة لنظام بشار الأسد. قبيل الانتفاضة، كانت نسبة الفقر في الريف (%62) أعلى منها في المدن (%38). كان الفقر أكثر انتشارا وتجذرا ووضوحا (%58.1) في الشمال الغربي والشمال الشرقي (محافظات ادلب وحلب والرقة ودير الزور والحسكة)، حيث يقطن 45% من السكان (10). أكثر من نصف إجمالي البطالة (%54.2) تركز في المناطق الريفية (11).

بالإضافة لذلك، قبل بداية الانتفاضة الشعبية، كان توزع الأعمال التجارية الجغرافي على الشكل التالي:

توزع المؤسسات الصغرى على المحافظات (أقل من 5 موظفين)

  • دمشق وريفها: 27.36%
  • حلب 21.72%
  • حمص 9.93%
  • حماه 6.06%
  • باقي المحافظات (10 محافظات) 34.93%.

في حين كان توزع المؤسسات الصغيرة (بين 5 إلى 14 موظفا) على المحافظات كالتالي:

  • دمشق وريفها: 29.40%
  • حلب 41.55%
  • حمص 5.89%
  • حماه 4.70%
  • باقي المحافظات (10 محافظات) 18.46% (12).

تركزت الاستثمارات الأجنبية الخاصة أيضا في مدينتي دمشق وحلب في قطاعات غير إنتاجية (العقارات، السياحة، الخدمات كالمصارف وشركات التأمين) في حين لم تنل المحافظات الأخرى والريف أي نوع من التنمية أو توفير الخدمات.

إضافة لذلك، المناطق المسكونة من قبل الأكراد كالجزيرة في الشمال الشرقي، كانت المناطق الأكثر عرضة للإفقار في البلد. كانت الجزيرة المنطقة ذات النسب الأعلى في الأمية والفقر، حيث احتوت على 58% من السكان المفقرين وذلك من قبل موجة جفاف عام 2006. في عام 2010 ارتفعت نسبة الفقر بوضوح لتصل إلى 80% من سكان الجزيرة، حيث كان أثر 4 مواسم جفاف متتابعة منذ 2006 مفصليا لأعمال المزارعين والرعاة صغيرة الحجم (13). بالإضافة لذلك، أنتجت الجزيرة ثلثي محصول الحبوب الوطني (و70% من القمح) وثلاثة أرباع الإنتاج الهيدروكاربوني. رغم تخلف التنمية الصناعية في الجزيرة، وندرة المنشآت الصناعية فيها التي لم تتجاوز 7% من القطاع الكلي، بقيت هذه الأراضي مهمة. مثلا، 69% من القطن السوري ينتج في هذه المنطقة، إلا أن 10% فقط من الخيوط القطنية تنسج فيها (14). بالطبع عانت كل المجموعات الإثنية في المنطقة من عرب وسريان-آشوريين وأكراد من التهميش الاقتصادي.

غياب الديمقراطية وإفقار قطاعات واسعة من المجتمع السوري، وفي ظل مناخ من الفساد وزيادة الفروقات الطبقية، كل ذلك مهد الطريق أمام الثورة الشعبية، التي كانت تنتظر مجرد شرارة. يجب فعلا أن تتضمن أسس أي سوريا ديمقراطية في المستقبل، التمكين الديمقراطي والاجتماعي للطبقات المهمشة لإدارة مجتمعاتهم.

المراجع:

  • FIDA (2009)، “République Arabe Syrienne، Programme d’Options Stratégiques pour le Pays”،1. Available at: https://is.gd/CTIjgn
  • Khalid Abu-Ismail، Ali Abdel-Gadir and Heba El-Laithy (2008)، “Poverty and Inequality in Syria (1997- 2007)”، UNDP، Available at: https://is.gd/X7jJIv
  • مثلا، في قمة بغداد لجامعة الدول العربية عام 1978، والتي عقدت لمعارضة اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل، منحت سوريا 1.8 بليون دولار سنويا لمدة عشر سنوات لمكافأة “نضالها” ضد اسرائيل.
  • Matar، Linda، The Political Economy of Investment in Syria، (Palgrave Macmillan UK، 2015)، 131.
  • https://is.gd/aIDY5j
  • Hinnebush، Raymond and Zintl، Tinti، “Syrian Uprising and Al-Assad’s First Decade in Power”، in Syria from Reform to Revolt Volume 1، Political Economy and International Relations، (Syracuse University Press، 2015)، 293.
  • Aita، Samir (2009)، “Labour Markets Performance and Migration Flows
in Syria”، 6. Available at: https://is.gd/FaDh9c
  • Idem،3
  • Matar، Linda، idem، 20; Goulden، Robert (2011)، “Housing، Inequality، and Economic Change in Syria”، in British Journal of Middle Eastern Studies، Vol. 38(2)، p.192; Perthes، Volker، Syria under Bashar al- Asad: Modernisation and the Limits of Change، (London: Adelphi Paper، 2004)، p. 29.
  • FIDA (2009)، “République Arabe Syrienne، Programme d’Options Stratégiques pour le Pays”.
  • https://is.gd/aIDY5j
  • Seifan، Samir، Syria on the path of economic reform، (Fife، Scotland، University of St. Andrews: Boulder، Lynne Rienner Publishers، 2010)، 57.
  • United Nations (2011)، “Report of the Special Rapporteur on the Right to Food، Olivier De Schutter”، 5. Available at: https://is.gd/VPTjwb
  • Myriam Ababsa، “The End of a World، Drought and Agrarian Transformation in Northeast Syria (2007-2010)”، in Syria from Reform to Revolt Volume 1، Political Economy and International Relations، (Syracuse، NY: Syracuse University Press، 2015)، 201.

Start typing and press Enter to search

Shopping Cart