التمكين الاقتصادي للنساء بين السياسات الاقتصادية الرأسمالية والبدائل الاقتصادية

التمكين الاقتصادي للنساء بين السياسات الاقتصادية الرأسمالية والبدائل الاقتصادية

دراسة ضمن كتاب: الفجوات الاجتماعية والفوارق الطبقية في المنطقة العربية

تقديم عام

لقد تميز الاقتصاد العالمي في أواخر الثمانينيات بركود تحول إلى أزمة مالية واقتصادية أدت إلى ضعف معدلات النمو وتدهور في موازين التجارة والمدفوعات. كما ارتفعت المديونية الخارجية وخدمة ديونها. رافق ذلك عجز في موازنات بعض الدول، فلجأت الحكومات إلى تمويل ذلك العجز عن طريق الاقتراض. لقد كان إذن للأزمة العالمية تأثير كبير في اقتصاديات البلدان العربية، حيث شهدت أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة.

كحل لأزماتها ارتأت حكومات بعض البلدان العربية (تونس، مصر، المغرب، الأردن… إلخ) في أواسط الثمانينيات إلى اللجوء إلى خيار التداين بالحصول على قروض طويلة المدى. وكان من شروط المؤسسات المالية الدولية (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي) إجراء إصلاحات اقتصادية هامة تمثلت خاصة في تمرير برنامج الإصلاح الهيكلي.

بتطور الرأسمال المالي العالمي، أصبح هذا الأخير محتكرا بيد فئة ضئيلة تسير الاقتصاد العالمي وذلك من خلال المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. كما تتحكم هذه الفئة بالشأن السياسي والاجتماعي للدول النامية. وهو ما جعل العولمة الرأسمالية تهدد بشكل فعلي تشريعات العمل والحقوق المكتسبة والحريات العامة كحق التنظيم وحرية التعبير وتأسيس النقابات وحق الإضراب.

وقد كان للأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة لسنة 2008 تبعات مدمرة على أسواق العمل. فقد ازداد عدد العاطلين ليصل إلى 210 ملايين وهو أعلى مستوى سجل على الإطلاق.[1]

كما أفرز تنامي عولمة رأس المال، نشأة اقتصاديات هشة غير قادرة على خلق أسواق عمل صلبة، ومواجهة أزمة البطالة وخاصة في صفوف النساء، إذ يعتبرن أولى الضحايا اللاتي لم يستوعبهن سوق العمل الذي اعتمد تقسيما جنسيا، باعتبار الرواسب الثقافية وهيمنة الفكر الذكوري الذي يحمل في طياته ملامح وتعبيرات وثقافة سائدة مبنية على عدم المساواة والتقسيم غير العادل للثروات تعتبر تقديرات معدلات عدم التساوي في الدخل في العالم متباينة ومثيرة للكثير من الجدل. كما أن التقدم المحرز في عدد النساء العاملات بأجر، تباطأ بسبب الأزمة المالية الاقتصادية بين 2008 و2009، وخصوصا في المجالات الصناعية[2].

سنتعرض إذن في جزء أول من هذه الدراسة إلى تأثير سياسات اقتصاد السوق على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للنساء بعد عرض السياق العام لهذه السياسات، والتطور التاريخي والمنعرجات الهامة التي شهدتها اقتصاديات المنطقة العربية منذ السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، والأزمات الاجتماعية التي مرت بها. كما سنبين الخصائص الجديدة لاقتصاديات هذه البلدان من ظهور قطاعات منظمة وأخرى غير منظمة تهيمن على المشهد الاقتصادي العام. مع عرض أوضاع النساء في العمل في تونس وفي المغرب.

في جزء ثان سنستعرض الإطار النظري للاقتصاديات البديلة ودورها في الحد من تأثيرات التطور المتصاعد للرأسمال الاحتكاري مع ذكر تجارب لأشكال من الاقتصاد التضامني والاجتماعي ناجحة أو ناشئة في بعض البلدان العربية ومساهمة النساء في إرساء هذه التجارب وإنجاحها ودور هذه الأنماط في تمكين النساء والارتقاء بأوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية.

وفي جزء أخير نحاول تسليط الضوء على دور الدولة في دعم الاقتصاد الاجتماعي التضامني في المنطقة العربية.

  • أوضاع النساء الاقتصادية والاجتماعية في ظل العولمة الرأسمالية

إن الرأسمال العالمي بسعيه لتحقيق الربح الأقصى ظل ينهب ثروات الشعوب الفقيرة باستمرار مع توسع رأس المال وتناميه. إذ تميزت اقتصاديات الدول النامية ببروز ظواهر عديدة من تمركز الفقر والجوع والأمية والأوبئة كما تميزت بكثرة الحروب الأثنية والدينية والقبلية والقومية التي تغذيها الإمبريالية العالمية لمزيد التحكم في ثروات هذه البلدان.

ارتبط تطور النظام الرأسمالي بالنظام الأبوي ارتباطا وثيقا إذ يغذي كل منهما الأخر وذلك فيما يتعلق بمسألة التقسيم الاجتماعي للعمل. لطالما كانت النساء عبر التاريخ ضحايا الاضطهاد المزدوج، الاضطهاد الطبقي واضطهاد النظام الأبوي واحتدت الثنائية وتطورت واختلفت العلاقة بينهما حسب المجتمعات وحسب الثقافات. وأمام عولمة رأس المال تطورت أشكال التضامن العمالي لتأخذ الصبغة العالمية في طرح أشكال مقاومة الاستغلال وطرح قضايا العمال والعاملات باختلاف جنسياتهم وباختلاف خصوصياتهم الثقافية.

ومع ظهور منظمة العمل الدولية في 1919تم تسليط الضوء على الانتهاكات الحاصلة في مجال حقوق العمال وخاصة العاملات واعتبار قضايا النساء قضايا خصوصية. منذ أن تم في سنة 1975 إقرار يوم 8 مارس يوما عالميا للمرأة العاملة بعد نضالات خاضتها النساء في مواجهة الاستغلال منذ أواخر القرن الـ19 حيث كشفت الحركة العمالية الصاعدة تدهور أوضاع العمال نتيجة التصنيع السريع الذي شهدته أمريكا وأوروبا. وعملت الحركات العمالية والنقابية على التنظيم والتضامن أكثر وشهدت الحركة العمالية النسائية حراكا هاما آنذاك حيث انتفضت في سنة 1857 من أجل تقليص عدد ساعات العمل اليومية من 16 ساعة إلى 10 ساعات والمساواة في الأجور وتحسين شروط العمال عامة. وجوبهت هذه الانتفاضة بالرصاص حيث قتلت واعتقلت عشرات العاملات. وقد كان لإصدار النصوص الدولية من اتفاقيات ومعاهدات وبروتوكولات في مجال الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية أثرا هاما في تحسين أوضاع النساء.

  • حقوق النساء بين انتهاك الحق في العمل وأشكال الاستعباد الحديث

يعتبر سمير أمين أن الرأسمالية عرفت توسعا كبيرا في إطار الدولة القومية وذلك باندماج ثلاثة أسواق:

  • سوق البضائع
  • سوق رأس المال والتكنولوجيا
  • سوق العمل

من هذا المنطلق فإن التطور الحاصل في مجال الرأسمال العالمي يتم عبر الضغط على سوق العمل بفرض المرونة flexibility (الأجور والتشغيل) بما يخدم الطبقات المسيطرة والمهيمنة التي تحتكر الثروات. واحتد التناقض في علاقة رأس المال -العمل (تنظيم العمل). ذلك أن “السوق العالمية هي سوق ذات بعدين اثنين فقط (تبادل تجاري وتحرك الأموال) فهي مبتورة بالمقارنة مع أسواق وطنية ذات ثلاثة أبعاد (يضاف إلى البعدين المذكورين سوق العمل)”[3]

تفيد الاحصائيات الرسمية العالمية في 2015 أن البطالة بلغت 204 مليون شخص يفتقرون إلى عمل منهم 74 مليون شاب كما أن 830 مليون شخص في العالم يعيشون بأقل من دولارين في اليوم وأكثر من 1.5 مليار هم في نمط تشغيل غير مستقر يفتقر إلى شروط العمل اللائق والضمان الاجتماعي.

كما انتشرت الأشكال الهشة غير اللائقة للعمل إذ أمام الفقر الذي ألم بأكثر من ثلثي سكان العالم وانعدام العدالة الاجتماعية فإن ملايين الأشخاص يقبلون بأي شروط للعمل نظرا لغياب الاختيارات العادلة وهو ما يناقض شروط التنمية نفسها، وأمام أشكال التعسف والاستغلال الذي تمارسه رؤوس الأموال يتم تشغيل الآلاف من الأطفال والنساء في الصناعات الخطرة ويتعرضون للعمل بالإكراه ويتم استغلالهم جنسيا والاتجار بهم.

كما تبين الإحصائيات العالمية أن في سنة 2012 تعرض 14 مليون شخص إلى الاستغلال في العمل و4.5 ملايين للاستغلال الجنسي غالبيتهم من النساء والفتيات. لقد ظهر شكل جديد لمراكمة الثروة وتحقيق الربح غير المشروع حيث انضاف إلى الاتجار بالأسلحة والمخدرات، الاتجار بالبشر الذي يعتبر من أكبر مصادر تحقيق الربح غير المشروع في العالم حيث وقع ضحيته بين عامي 2007 و2010عديد الأشخاص من 136 جنسية في 118 بلد، 55 إلى 60% منهم نساء.[4]

وتقر نفس الإحصائيات أنه على الصعيد العالمي فإن عدم المساواة في الأجور بلغ مستويات مرتفعة رغم أن القوانين الوطنية لعديد البلدان النامية تقر بالمساواة في الأجور إذ تتقاضى المرأة 24% أقل من أجر الرجل وهي لا تشغل سوى 25% من المناصب الإدارية والقيادية في عالم الأعمال ولا تشغل أي منصب في الإدارة العليا في 32% من الشركات ولا تزال حصة المرأة تناهز 22% من المقاعد النيابية في المجالس الوطنية.[5]

هذا الواقع التمييزي في توزيع الثروة، يخلق واقعا هشا للنساء. فظاهرة تأنيث الفقر تزداد بتعميق الفوارق بين مختلف الفئات الشعبية واحتداد التمييز القانوني بين الجنسين في الحقوق وإقصائهن من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وخصوصا من مراكز صنع القرار[6]، ومن المشاركة في البناء الاقتصادي. فانعدام المساواة وتكافؤ الفرص في مجال العمل لن يؤدي سوى إلى مزيد من الانقسامات والفوارق في المجتمع.

  • الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء في البلدان العربية بين برامج الإصلاح الهيكلي والانخراط في الاقتصاد الحر

أمام تدهور الخدمات نتيجة خصخصة القطاعات العامة في مجال الصحة والتعليم وهو ما ميز دول ما بعد تبني سياسات الإصلاح الهيكلي في عديد البلدان النامية وفرض المؤسسات المالية الدولية مقابل القروض طويلة المدى شروطا تفرض القيام بإصلاحات تشمل العديد من القطاعات الهامة كالقطاع الجبائي والسوق المالية وخصخصة المؤسسات العمومية في المجال الصناعي بصفة تدريجية وتحريرا لاقتصاديات الوطنية بتحرير الاستثمار والانفتاح أكثر على الاقتصاد العالمي.

أحدثت سياسات الإصلاح الهيكلي في عدد من البلدان العربية تراجعا هاما للدولة عن دورها الاجتماعي وتراجعا للحقوق وخاصة منها الاقتصادية والاجتماعية. وأمام ضرب مجانية التعليم وتفاقم الفقر في صفوف الفئات الأقل دخلا تنامت ظاهرة سحب البنات من المدارس والانقطاع المبكر عن التعليم. كما أن قوانين العديد من بلداننا العربية لا تزال تفتقر إلى إجراءات حمائية للنساء وللعاملات بشكل خاص تحميهن من الطرد التعسفي والتسريح والعمل ألقسري وتوفير الحماية الاجتماعية.

العنف المسلط على النساء عائقا أمام التمكين الاقتصادي

عمل العديد من الحركات النسوية على كشف مخلفات النظام الرأسمالي في تعميق الفقر والعنف ضد النساء وهو ما أكدته مسيرة النساء ضد العنف والفقر المتكونة من عديد الحركات النسوية والنسائية في العالم في بيانها الختامي في اجتماع الموزمبيق “لا ينتج الرأسمال المالي وإجراءات التقشف والخصخصة إلا الفقر والعنف ضد النساء. في المسيرة العالمية للنساء نعمل على زيادة القوة والاستقلال الاقتصادي للنساء. بحيث نأمل في إعادة توزيع الثروة والاقتصاد التضامني. إننا نستنكر صعود الأصولية الدينية والسياسات الإمبريالية ونريد عالما عادلا، دون أي قوة عسكرية، حيث النساء وجميع الشعوب لديهم الحق في تقرير المصير وتحترم فيه حقوق الإنسان”.[7]

ويعتبر العنف ضد النساء حاجزا أمام تقدمهن وتمتعهن بالمواطنة الفعلية. وتتميز المنطقة العربية بتصاعد العنف وخاصة العنف القائم على أساس الجنس. وهو ما نشهده بشكل خاص في البلدان التي تعيش نزاعات أو تلك التي عاشت ثورات حيث تتميز الأوضاع بضعف سيادة القانون وبهشاشة الأوضاع الأمنية حيث لا يزال تستخدم أجساد النساء كوسيلة لإذلالهن وأسرهن بما في ذلك أزواجهن ويتعدد الاستغلال الجنسي من الاغتصاب إلى الاتجار بهن كما لا تزال ظاهرة تزويج الصغيرات وختان البنات في عديد البلدان العربية. كما تواجه النساء العاملات أشكال عديدة من العنف كالتحرش الجنسي في مكان العمل أو في الفضاءات العامة. وفي غياب قوانين تجرم العنف المسلط على النساء وتعاقب مرتكبيه وفي غياب قوانين وآليات تحمي النساء من كل مظاهر العنف فإن أوضاعهن تتغير ببطء وفرص تمكينهن لا تزال محدودة. ان التكلفة الاقتصادية للعنف المسلط على النساء هامة وخاصة بالنسبة للعاملات. ورغم مصادقة غالبية بلدان المنطقة على اتفاقية مناهضة كافة اشكال التمييز ضد المرأة المسماة اتفاقية “السيداو” CEDAW. فإنها لا تزال تحافظ على عديد من التحفظات على بعض المواد والبنود. وتشمل التحفظات مواضيع راهنة هامة يتعلق بعضها بتنظيم تشريعات الأسرة، ومنها ما يتعلق بالحضانة والوصاية والولاية والقوامة والإرث وجنسية الابناء وزواج الاطفال وتعدد الزوجات والحق في الطلاق والنفقة وزواج المسلمة من غير المسلم.

لا تزال إذن قوانين الدول العربية أقل من المأمول بالنسبة لواقع التمييز الذي تعانيه النساء وهو ما أثر على أدائهن في مستوى مشاركتهن السياسية. مثلت قضية التنمية تحديا لعديد البلدان في المنطقة العربية إذ تأرجح الناتج الداخلي الإجمالي بين الارتفاع والتراجع وخاصة في السنوات التي عقبت الثورات والصراعات والحروب في عديد البلدان العربية، وبالرغم من أنا الارتفاع الحاصل لم يقابله نمو في نصيب الفرد من الدخل الإجمالي بسبب عامل النمو الديموجرافي (إذ ازداد عدد السكان من 221 مليون نسمة في 1990 إلى 377 مليون نسمة في 2014)[8] الذي أثر بشكل مباشر في الهيكلة العمرية للسكان. كما بلغ متوسط نصيب الفرد 4.795 دولار وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي البالغ 8.055 دولار ولكن متوسط الدخل هذا يظل متباينا بين البلدان المصدرة للنفط التي يبلغ فيها ثلاث مرات المتوسط العالمي بينما لا يتجاوز في أقل البلدان نموا في المنطقة 11%من المتوسط العالمي.[9]

  • سوق العمل والتشغيل بوصلة الاقتصاديات العربية

يعتبر القطاع العام المصدر الرئيسي لفرص العمل في معظم البلدان العربية[10] حيث يستوعب نسبة تتراوح بين 14 و40%[11]من مجموع القوى العاملة. منذ عقدين من الزمن لم تعد مؤسسات الدولة قادرة على استيعاب طلبات الشغل وفي غياب تطور حقيقي للقطاع الخاص، رغم كل السياسات التي تبنتها العديد من بلدان المنطقة العربية في اتجاه الانفتاح والخصخصة والتفويت في القطاع العام والامتيازات الجبائية الهامة الموكلة لهذا القطاع. ارتفعت إذن نسبة البطالة في صفوف الشباب وخاصة من أصحاب الشهادات الجامعية وهو ما مثل أحد الأسباب الهامة التي انتفضت لأجلها شعوب المنطقة، حيث انخفضت نسبة التشغيل في صفوف الشباب من 26.7% في سنة 1991 إلى 23.7% في سنة2013،[12] وفي نفس السنة بلغت نسبة البطالة في المنطقة 11.41% وبنسبة 30% بالنسبة للشباب.[13]

تتميز سوق العمل العربية بغياب استقرار العمل ومقومات الأجر اللائق وغياب برامج حقيقية للحماية الاجتماعية وتحتل اليد العاملة النسائية نسبة لا بأس بها في أنماط العمل غير المستقر نتيجة المشاركة المحدودة في الاقتصاد والأجور المتدنية التي تتقاضاها النساء.

كما ارتفع معدل نسبة البطالة في صفوف النساء الشابات سنة 2013 ليصل 48%.[14] وترجع هذه النسبة إلى طبيعة سوق العمل العربية الذي يتعامل بتفاضلية في مستوى الوظائف المعروضة إلى جانب الثقافة السائدة التي تحافظ على تقسيم جنسي للأدوار المسندة للرجال والنساء. كما تميزت هذه السوق بغياب إطار تشريعي يحمي المرأة العاملة ويقدم لها الضمانات الكاملة للعمل، إذ أن العديد من البلدان العربية لم يصادق على الاتفاقية 183 لحماية الأمومة كما أن هناك نقص وغياب للقوانين التي تحمي النساء من العنف الذي يتعرضن له في مواقع العمل كالتحرش الجنسي.

كما أن ضرب مجانية التعليم وإلزاميته وتفاوت نسبة الإنفاق والميزانية المخصصة له من بلد عربي لآخر لعب دورا هاما حيث تنامت ظاهرة الانقطاع عن التعليم والسحب المدرسي وارتفاع نسبة الأمية في صفوف النساء. ومع تنامي القطاع غير المنظم التجأت شريحة كبيرة من النساء للعمل بهذا القطاع الذي لا يشترط مهارات وخبرات مهنية وتعليمية.

مع الأزمة العالمية التي شهدها قطاع النسيج أغلقت العديد من المؤسسات في قطاع النسيج في البلدان العربية حيث تم تسريح الآلاف من اليد العاملة النسائية اللاتي وجدن في الاقتصاد الموازي ملاذا لهن ومصدرا هاما لدخلهن باعتبار أن غالبية النساء تعول أسرا. وتميز القطاع غير المنظم بغياب أي ضمانات قانونية تحمي حقوق النساء في العمل باعتبار غياب التعاقد والتأمين الاجتماعي وغياب حق التنظيم النقابي.

وتبين منظمة العمل العربية أنه في سنة 2012 بلغت نسبة عمل النساء في الاقتصاد غير المنظم 1.3% في تونس، و56% في المغرب، و25% في الجزائر، و43% في مصر.[15]

مع تنامي ظاهرة تأنيث الفقر نتيجة للأزمات الاقتصادية العالمية وتأثيرها على اقتصاديات المنطقة العربية فإن تواجد النساء في الاقتصاد غير المنظم اتسم بظهور أشكال إنتاج غير محسوبة في الإحصائيات الرسمية ويتمثل في إنتاج سلع غذائية وغيرها كما أن العمل غير مدفوع الأجر يتسع ليشمل العمل بالمزارع والأراضي الفلاحية الصغيرة التي يغلب عليها الطابع الأسري وهن بنسبة 60% من إجمالي اليد العاملة النسائية في أرياف البلدان العربية.[16]

كما ارتبطت مسألة الديمقراطية بشكل كبير بقضية التنمية وبالمساواة ذلك أن النساء دفعن ويدفعن ضريبة الخيارات الاقتصادية اللا شعبية وهن أولى ضحايا سياسات الاقتصاد الحر. إن التمكين الاقتصادي للنساء لن يمر سوى بتحقيق إطار سياسي ديمقراطي جوهره اجتماعي يتبنى قوانين تعزز المساواة وتضمن المشاركة السياسية للنساء (كما هو الشأن بالنسبة للدستور التونسي)[17] وتحميهن من الفقر والتهميش والتمييز.

  • النساء والحق في العمل في تونس

في أقل من عشر سنوات من1987 إلى 1994 ومنذ تبني الدولة التونسية لبرنامج الإصلاح الهيكلي للخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة لسنة 1986 (حيث بلغت نسبة النمو آنذاك -2.6% أي نسق نمو سلبي مع افلاس في مستوى المدفوعات الخارجية) تم تهيئة الاقتصاد للانفتاح أكثر على الاقتصاد الحر العالمي والانخراط في الاتفاقية العامة حول التجارة والرسوم الجمركية. ثم تم في عام 1995 التوقيع على الاتفاقية متعددة الأطراف مع منظمة التجارة العالمية، وإنشاء منطقة للتبادل الحر الأور ومتوسطي.

إن معركة الحق في العمل بالنسبة للنساء تعتبر في قلب المعركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلاد في اللحظة الراهنة. واتسمت العشريتان الأخيرتان بهشاشة العمل وعدم الاستقرار كسمة بارزة في خصائص الاقتصاد وسوق العمل التونسية وبروز أنماط جديدة للعمل مثل العمل لوقت جزئي والعمل المؤقت والعمل عن بعد، برزت أطر قانونية تحدد هذه الأشكال والمتمثلة في العقود محددة المدة. كما شهد سوق العمل تحولات عميقة في صلب الطبقة العاملة. وتغير نظام العمل بتدهور شروط العمل اللائق وخصوصا بالنسبة للفئات ضعيفة الدخل، حيث أن السياسة الاقتصادية اعتمدت مرونة اليد العاملة والضغط على الأجور. ويبرز ذلك خاصة في شركات المناولة أو شركات الاستعباد الحديث التي يغيب فيها عقود العمل وخاصة بالنسبة لعمال وعاملات النظافة حيث يكتسح العنصر النسائي هذا القطاع اللاتي تتميز أوضاعهن بالفقر والحاجة وافتقادهم لفرصة العمل اللائق باعتبار غياب الكفاءة المهنية والتعليمية يفتقد العمال والعاملات لأبسط الحقوق الاجتماعية مثل الحق في التنظيم العمالي وممارسة الحق النقابي في تشكيل النقابات والحق في الحماية النقابية.

وعلى الرغم من أن المستوى التعليمي يعتبر عاليا بالنسبة للإناث، فإن سوق العمل يتعامل بتفاضلية بخصوص العمل المؤجر، إذ إن نسبة النساء العاملات تطورت من 6.1% سنة 1966 إلى 25.3% سنة 2002. وتعد 55.3% من الشريحة النسائية عاملات بالمنازل، بينما نجد 23.9% أجيرات و17.3%مستقلات و8.4% يرأسن شركات.[18]

تطور نسبة النشاط (%) حسب الجنس من 2006 – 2011 (*خلال شهر مايو من كل سنة)

الأعوام 2006 2007 2008 2009 2010 2011*
ذكور 67.3 67.7 68.0 68.7 69.5 70.1
إناث 24.4 24.5 24.7 24.8 24.8 24.9
المجموع 45.6 45.8 46.2 46.5 46.9 47.2

المصدر: إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء والمسح الوطني للتشغيل 2011

كما تم إضافة الوافدين من العاطلين على العمل إلى سوق الشغل بعد الثورة من المسرحين نتيجة غلق المؤسسات وحرق البعض منها أو تخريب معداتها، فإن نسبة فقدان مواطن الشغل شمل الإناث أكثر من الذكور حيث سجلنا فقدان 73.900 موطن شغل

بالنسبة للإناث مقابل 63.700 بالنسبة للذكور.[19] وتواصل ارتفاع نسب النشيطين من الجنسين والمشتغلين بشكل متفاوت.

توزيع السكان النشيطين حسب الجنس الوحدة (الاف)

  الثلاثي 2 2015 الثلاثي 3 2015 الثلاثي 4 2015 الثلاثي 1

2016

ذكور 2869700 2873500 2883000 2885400
إناث 1121700 1130700 1137800 1152000

المصدر: المعهد الوطني للإحصاء التعداد العام للسكان 2014

كما يبين الجدول التالي نسب المشتغلين:

تطور عدد المشتغلين حسب الجنس الوحدة (الالاف)

  الثلاثي 2 2015 الثلاثي 3 2015 الثلاثي 4 2015 الثلاثي 1

2016

ذكور 2513800 2515800 2521300 2525300
إناث 872500 876300 880700 889400

المصدر: المعهد الوطني للإحصاء

إلا أن نسبة البطالة لم تشهد انخفاضا مقارنة بالسنوات التي سبقت الثورة في 2011 (15.6% في سنة 2015) مما يجعلنا نتساءل حول مدى تحقيق الأهداف التي قامت لأجلها الثورة والتي كانت شعارها المركزي الشغل والحرية والكرامة..

 

 

 

نسبة البطالة (%) من بين حاملي الشهادات العليا حسب الجنس

  الثلاثي 2 2015 الثلاثي 3 2015 الثلاثي 4 2015 الثلاثي 1

2016

ذكور 19.9% 21.4% 20.7% 20.3%
إناث 38.4% 41.1% 41.1% 39.8%

المصدر: المعهد الوطني للإحصاء

وتتفاوت هذه النسب حسب الولايات وتتأثر بمدى تخلف كل جهة وحجم الاستثمار فيها. يعتبر قطاع النسيج من القطاعات الهامة والحيوية التي بني عليها الاقتصاد التونسي. ويشغل هذا القطاع نسبة كبيرة من اليد العاملة النسائية التي تفتقر غالبا إلى كفاءات تقنية وعلمية. ومع التطور الحاصل في صناعة النسيج في العالم بظهور الأزمة، أقفلت العديد من المؤسسات الصناعية وخصوصا منها تلك ذات رأس المال الأجنبي، مخلفة عديد الاعتصامات والإضرابات، حيث كان للنساء دور كبير فيها. إذ يشغل القطاع قرابة 50% من نسبة النشيطين في قطاع الصناعات المعملية، أي 10% من مجموع النشيطين على المستوى الوطني. وتمثل اليد العاملة النسائية جزءا هاما من اليد العاملة في هذا القطاع، أي نحو ثلاثة أرباع من إحداثيات التشغيل في القطاع، وربع اليد العاملة النسائية عامة.[20]

  • العاملات في القطاع الفلاحي/الزراعي

تمثل النساء قوة عمل هامة في قطاع الفلاحة حيث انتشرت ظاهرة التشغيل الهش وخروج عديد النساء في الأرياف للعمل لإعانة أسرهن وفي عديد الحالات لهن رئاسة العائلة باعتبار نزوح الأزواج للمدن للبحث عن فرص عمل تمثل نسبة النساء العاملات بشكل موسمي في قطاع الفلاحة حوالي 60%من وتبين دراسة قامت بها الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات سنة 2014 على عينة شملت 200 عاملة في 4 ولايات. بينت الدراسة أن 67% من النساء المستجوبات يعملن لفترة يومية تتراوح بين بين 8 و12 ساعة في اليوم كما بينت أن 73.7 من النساء المستجوبات يعملن بدون أجور في حين 15.6 يشتغلن وفق عقود محدودة المدة و10.8 عقودهن غير محدودة المدة. كما أكدت نفس الدراسة أن 90 من المستجوبات يحصلن على أجر يومي يقدر بين 10 و15 دينار أي بمعدل 280 دينار كأجر شهري وهو أقل من الأجر الفلاحي الأدنى الرسمي والذي يقدر بـ338 دينار شهريا. [21]

كما بينت الدراسة غياب التأمين الاجتماعي وإجراءات تحمي الصحة والسلامة المهنية وغياب التنظيم النقابي كما أن ظروف نقل العاملات إلى الضيعات الفلاحية يفتقد الشروط الآمنة كماتتعرض العاملات للتحرش الجنسي والعنف اللفظي والمادي في مواقع العمل. ان هذا الواقع التمييزي للعاملات الفلاحيات والذي يفتقر إلى شروط العمل اللائق والضامن للكرامة الإنسانية يجعلنا نوجه أصابع الاتهام إلى منوال التنمية المتبع هذا المنوال الفاشل والمنتج للفوارق الاجتماعية ويفتقد العدالة الاجتماعية والعدالة الجبائية.

وعلى الرغم مما روجته تقارير البنك الدولي من أن تونس تحتل المرتبة 55 من ضمن البلدان المستقبلة للاستثمار، ومن أن “تونس خلال السنوات العشرين الأخيرة قد حققت ومن خلال برنامج الإصلاح الهيكلي، شوطا هائلا في دعم القدرة التنافسية للاقتصاد، وهو ما بينه تقرير صندوق النقد الدولي لسنة 2010”.[22]

ب-النساء والحق في العمل في المغرب:

لا تختلف المغرب عن بقية البلدان العربية التي تبنت برنامج الإصلاح الهيكلي في أواسط الثمانينيات مقابل قروض طويلة الأمد وتحت املاءات وشروط صندوق النقد الدولي وقامت الحكومة المغربية بإصلاحات جذرية في مستوى العديد من القطاعات الاقتصادية واندماج الاقتصاد الوطني في الاقتصاد العالمي لاتفاقات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وخلق منطقة للتبادل الحر برفع الحواجز الجمركية على المواد الصناعية للاتحاد الأوروبي بشكل تدريجي إلى حدود 2010.

وكان لهذه الإجراءات انعكاسات هامة للنسيج الاقتصادي حيث تم رفع الدعم عن الشركات المغربية مقابل مساعدات الاتحاد الأوروبي. وتأثر جراء ذلك قطاعات هامة كقطاع النسيج والملابس الذي يحظى بنصيب كبير في تشغيل اليد العاملة النسائية ففي 1998. تمثل اليد العاملة في قطاع النسيج 43% أي 210.700 عامل من 490 ألف عامل وعاملة في الصناعات التحويلية.[23] وتقدر نسبة النساء في قطاع النسيج 68% أي ما يقارب 142.120.

وفي إطار برنامج اعادة التأهيل تم خصخصة عديد المنشآت العمومية والتفويت فيها كما تم مراجعة قوانين الشغل بما يضمن المرونة في الشغل وبالتالي تسريح العمال وترك الأجور تتحدد من خلال العرض والطلب.

وبانفتاح الأسواق الداخلية وإغراق الأسواق الأوروبية بالبضائع الآسيوية وخاصة في قطاع النسيج مما أثر على السوق المغربية في مجال تصدير الملابس لشريك هام وهو الاتحاد الأوروبي وبالتالي أغلق العديد الشركات وأصيب بعجز مالي. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن قطاع البناء والنسيج والملابس فقد 80.000 عامل وعاملة في سنة 1998 ونالت النساء جزءا كبيرا باعتبار أن قطاع النسيج قطاعا مؤنثا.

تميز سوق العمل بعدم الاستقرار والتسريح الجماعي، كان القانون ينص في السابق على سجن المشغل الذي يسرح العاملين لديه، لكن تم التراجع مع مدونة الشغل، عن هذه الضمانة وتم الاكتفاء بالذعائر والغرامات المالية فقط. كما تشكل ظاهرة السمسرة في اليد العاملة إحدى مظاهر هشاشة الشغل. حيث نمت الظاهرة مع ظهور شركات الوساطة وتقنين هذه الشركات.[24]

لقد أثرت الأزمة العالمية لسنة 2009 على واقع الاقتصاد في المغرب كبقية الدول النامية. ومن الآثار الهامة في مستوى سوق العمل حيث ارتفعت نسبة البطالة ما بين سنة 2009 وسنة 2010 إلى حدود 9.1%. وتميزت الشريحة الشبابية بنسبة نشاط منخفضة لا تتجاوز 48 بالنسبة لمن أعمارهم بين 15 و34 سنة وتبلغ نسبة البطالة في هذه الشريحة العمرية 14.8 في سنة 2010. [25]

 

نسبة النشيطين حسب الجنس وفئة السن حضري وقروي بـ(%) سنة 2014

فئات السن الذكور الإناث المجموع
15-19 سنة 30.4 11.7 21.5
20-24 سنة 67.4 24.9 45.7
25-29 سنة 92.3 31.3 60.9
30-34 سنة 95.5 30.6 61.7
35-39 سنة 95.4 30.3 59.9
40-44 95.0 30.5 60.9
45-49 94.6 32.8 60.0

المصدر: المندوبية السامية للتخطيط مديرية الاحصاء (البحث الوطني حول التشغيل) 2014

معدل البطالة حسب الجنس وفئة الجنس

فئات السن الذكور الإناث المجموع
15-24 سنة 20.3 19.1 20.0
25-34 سنة 12.7 17.0 13.9
35-44 سنة 5.8 7.0 6.1
45 سنة فأكثر 3.4 2.1 3.0
15 سنة فأكثر 9.7 10.4 9.9

المصدر: المندوبية السامية للتخطيط مديرية الاحصاء (البحث الوطني حول التشغيل) 2014

يظل النشاط النسائي متمركزا في القطاعات ذات التأهيل الضعيف، ويقتصر على عدد محدود من المهن. كما تجدر الإشارة إلى تعرض النساء بكيفية أكبر للبطالة، ولا سيما في صفوف الحاصلات على شهادات، فضلا عن كون نسبة البطالة في صفوف النساء الحضريات تشكل ضعف نسبة الرجال.

II-البدائل الاقتصادية في مواجهة التنامي المتصاعد للاقتصاد الحر

1-الإطار الاقتصادي والاجتماعي للتوجه نحو الاقتصاد البديل

لا تبدي حكومات الدول العربية اهتماما لأسباب ومصادر عدم المساواة الناتجة عن التقسيم الاجتماعي للعمل وهو ما أفرزته علاقات الإنتاج الاجتماعية وعلاقتها الجدلية بطبيعة الدولة ومصالح الطبقة الاجتماعية المسيطرة والحاكمة التي تعبر عن انحياز أيديولوجي وفكري نيو ليبرالي.[26]ومن التناقضات التي خلفتها الخيارات الاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد العالمي الحر وبالسوق العالمية دور الدولة الذي شهد تراجعا في المستوى الاجتماعي.

بات إذن من الضروري إيجاد بدائل اقتصادية لما خلفه الاقتصاد الحر ولما خلفته مناويل التنمية المتبعة التي لا تتأسس على الشروط العادلة لتوزيع الثروة وتفتقد لرؤية مبنية على ثقافة حقوق الإنسان والمساواة التامة والمواطنة.

من هذا المنطلق وجب التأكيد على الدور الاجتماعي للدولة والتزامها بالاستثمار في قطاعات هامه كالصحة والتعليم وتمويل القطاع العام القادر على استيعاب التشغيل وهو ما يعتبر الإطار السياسي العام المحدد لأي تنمية بديلة، إذ يقدم هذا الإطار الضمانات والإصلاحات التي تعمل من أجل تحقيق المواطنة الفعلية بما يتوافق مع ما ورد بالاتفاقيات والنصوص والمعايير الدولية المعروفة.

2-بدائل اقتصادية أم “اقتصاد بديل”؟

تعريف

يعرف الاقتصاد البديل باختلافه عن الاقتصاد الكلاسيكي ليتخذ وجهة أخرى إضافية وبهذا فهو لا يتموقع كضد للاقتصاد الرأسمالي وإنما كملازم له وهذا يعني خلق مساحات للإبداع والتجريب بشكل موازٍ. ففي بداية التسعينيات عرف الاقتصاد البديل على أنه “تعاونية لمبادرات مواطنات ومواطنين”[27] وهو ما يعني الاستقلالية عن الدولة في مستوى الدعم العمومي. ما يمكن قوله إن الاقتصاد البديل ليس بنظرية اقتصادية وإنما هو تجميع لتجارب وممارسات ليس لها وزن من حيث عددها فقط تصلح للاستدلال بها. [28]

3-الاقتصاد الاجتماعي التضامني لمواجهة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة

  • تعريفات للاقتصاد الاجتماعي التضامني

ظهر مفهوم الاقتصاد الاجتماعي في فرنسا في 1977 وهو يرجع إلى الباحثين الفرنسيين الذين بلوروا مفهوم هذا الشكل من البدائل الاقتصادية.

“يعبر الاقتصاد الاجتماعي والتضامني عن مجموع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية التي تنتظم في شكل بنيات مهيكلة أو تجمعات لأشخاص ذاتيين أو معنويين، بهدف تحقيقِ المصلحة الجماعية والمجتمعية، وهي أنشطة مستقلة تخضع لتدبير مستقل وديمقراطي وتشاركي، يكون الانخراط فيه حرا. كما تنتمي إلى الاقتصاد الاجتماعي والتضامني جميع المؤسسات التي ترتكز أهدافها الأساسية بالدرجة الأولى، على ما هو اجتماعي، من خلالِ تقديمها لنماذج مستدامة ومدمِجة من الناحية الاقتصادية، وإنتاجها سلعا وخدمات تركز على العنصر البشري، وتندرج في التنمية المستدامة ومحاربة الإقصاء”.[29]

إذن أصبح الاقتصاد الاجتماعي سبيلا لمواجهة الأزمات إذ نجد اهتماما جديا من قبل الدولة والمنظمات الدولية المانحة ومنظمات المجتمع المدني والنقابات.

ب-بدائل تنموية: التعاونيات أداة لتمكين النساء في الاقتصاد الاجتماعي التضامني

تعرف منظمة العمل الدولية التعاونيات على أنها “في مفهوم هذه التوصية، يعني تعبير (التعاونية) جمعية مستقلة مؤلفة من أشخاص اتحدوا معا طواعية لتحقيق احتياجاتهم وتطلعاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المشتركة عن طريق منشأة مملوكة ملكية جماعية ويشرف عليها ديمقراطيا”[30] من هنا يتميز تسيير التعاونيات بممارسة أعضائها وعضواتها للسلطة الديمقراطية والمشاركة الاقتصادية للأعضاء والاستقلالية والتعليم والتدريب والمعلومات والتعاون بين التعاونيات والاهتمام بالمجتمع المحلي.

كما أكدت منظمة العمل الدولية على أهمية مساهمة النساء في العمل التعاوني وخاصة في الإدارة والقيادة ولما لا في إنشاء تعاونيات نسائية.

ففي المغرب وفي سنة 2012، لم تتجاوز نسبة النساء المقاولات 0.8 بالمائة فقط من النساء النشيطات العاملات على الصعيد الوطني، في حين أن 16.1 بالمائة منهن يعملن لحسابهن الخاص. وتعكس هذه الأرقام حجم الصعوبات التي تواجهها المرأة لكي تستقل بذاتها، كما تترجم، على وجه الخصوص، الواقع الاجتماعي للعمل المستقل للنساء وهي تختلف عن التعاونيات الذكورية بحجمها الصغير، وغير حاضرة بما يكفي في تجمعات المصالح الاقتصادية، وفي شبكات التسويق، الأمْر الذي يشكل عائقا كبيرا أمام تسويق منتجاتها.[31]

وفي مصر تعاني التعاونيات من غياب حرية التأسيس والاستقلالية وتواجه عقبات عديدة منها مشكلة تسويق منتجاتها في غياب أسواق تعاونية بديلة للأسواق التبادلية. كما تواجه التعاونيات مشكل الإقراض لارتفاع فوائد الديون وتعتمد المشروعات النسائية خاصة في غالبيتها على التمويل الذاتي، ونسبة قليلة من التمويل تأتي من الموارد الخارجية.

كما تواجه النساء العربيات (تونس، مصر، المغرب…) في القرى والأرياف مصاعب في مجال الحقوق العقارية، التي يمكن أن تكون ضمانا للحصول على قروض (إنْ على صعيد الميراث أو إبرام عقود الملكية العقارية). فإن الطابع التمييزي في حقوق الميراث لا يزال مهيمنا.

تجارب نسائية من بلدان ما بعد الثورات العربية:

  • تجربة مصنع ماموتاكس (تونس) في التسيير الذاتي

بينت تجربة مصنع ماموتاكس على إرادة حقيقية لمجموعة من العاملات في تسيير ذاتي لمصنع نسيج يخضع لما يعرف بقانون 72 المتعلق بالاستثمار الأجنبي في تونس. وعانى المصنع كغيره من مصانع قطاع النسيج الذي واجه أزمة حادة كما بيناه أعلاه وعلى اثر غلق المصنع وحفاظا على وظائفهن قررت العاملات -اللاتي نجحن في تأسيس نقابة أساسية تابعة للاتحاد العام التونسي للشغل- تسيير المصنع والإشراف على الإنتاج لاستخلاص الأجور العالقة منذ أكثر من 5 أشهر ومصاريف التغطية الاجتماعية للعاملات وذلك بعد مفاوضات عديدة تمت في مقر الولاية بين صاحب المؤسسة والنقابة وممثل عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والوالي وتم توقيع اتفاقية مع صاحب المصنع في مارس 2016 تشترط تسيير العاملات بأنفسهن للمصنع وإبعاد صاحب المصنع بإعطاء تفويض مالي وإداري للكاتبة إلى حين استخلاص كل الأجور وبقية المصاريف.[32] ولكن أجهضت هذه التجربة لعدم توفر المواد الأساسية التي كان يوفرها شريك ثان رفض تزويدهن. رغم فشل التجربة فإن العاملات بخوضهن هذه التجربة قد دعمن حقوقهن النقابية من خلال كسر حاجز الصمت وممارسة حقهن في التنظيم وحققن بعض المكاسب. كما أن شهادات العديد منهن تبين أنهن رغم هشاشة أوضاعهن ورغم البطالة لدى البعض فإن الوعي الذي اكتسبنه وراكمنه من خلال هذه التجربة جعلهن مواطنات فاعلات في الشأن الاقتصادي والاجتماعي.

تعد تجربة ماموتاكس أولى التجارب في تونس في التسيير الذاتي جوهر الاقتصاد الاجتماعي التضامني وقد لفتت أنظار كل الفاعلين من قوى نقابية ومنظمات حقوقية وتنموية ومؤسسات الدولة.

  • تجربة تعاونية “العونة “الصعيد المصري

هي مبادرة تديرها النساء وتعد تعاونية “العونة” مشروع تديره نساء قرية العونة بمحافظة أسيوط بالصعيد منذ سنة 2015 وتطور هذا المشروع ليخلق فرص عمل لنساء أخريات. ساعدت جمعية “بادر لتنمية الصعيد” بالعونة، نساء القرية في تلقي تدريبات في اختصاصات عديدة منها “خياطة، صناعة حلويات…، الخ” وتدريبات على تسيير المشروعات. منذ سنه أسست مجموعه من المتطوعات إلى جانب المديرة التنفيذية للجمعية، تعاونية /معصرة مختصة في “دبس الرمان” (عصير الرمان) وهي أول تعاونية نسائية في الصعيد وأسهمت هذه الجمعية في جذب 20 امرأة ساهمت كل منهن بألف جنيه، وأصبح منهن 5 في مجلس إدارة التعاونية من إجمالي 7 في مجلس الإدارة.[33]

تشرف النساء على عمليات التصنيع (الآلات ملك للتعاونية) وإنتاج وتعبئة وتوزيع المنتوج على مطاعم وفنادق. وتطورت التعاونية وحققت أرباحا بفضل جهود النساء العضوات لتتوسع باتجاه إضافة أنشطة جديدة تتمثل في استغلال قشور الرمان وتصنيعها إلى مواد تجميل، كما وفرت مواطن عمل إضافية من نساء القرية. ساهمت هذه التجربة في التمكين الاقتصادي للنساء كذلك في الرفع من وعيهن والتمتع بمواطنتهن وممارسة حقوقهن السياسية والثقافية.

  • أي دور للدولة في الاقتصاد الاجتماعي التضامني

على الدول أن تعمل على تبني خيارات اقتصادية وطنية تتجه بوصلتها أكثر إلى الاحتياجات الداخلية وتعتمد منوالا تنمويا اجتماعيا ونظاما جبائيا عادلا وتوجه نفقاتها العمومية نحو القطاعات الاجتماعية الهامة (الصحة والتعليم والسكن والتشغيل…) التي تهم الشرائح المختلفة من الشعب وخاصة منها الفقيرة. كما يجب أن تستوعب نماذج التنمية المتبعة الأشكال الجديدة للمبادرات التنموية الجماعية كمشروعات الاقتصاد الاجتماعي التضامني والتسيير الذاتي.

إصلاحات تشريعية وتدابير في اتجاه دعم الاقتصاد الاجتماعي التضامني

على الدولة إذن:

  • أن تهيئ البنية التشريعية لدعم الاقتصاد الاجتماعي التضامني في المنطقة العربية حيث تعترف دساتير العديد من الدول بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني وتساعد التشريعات على توفير الضمانات الكفيلة بحماية مختلف الفاعلين في هذا القطاع قصد تنظيمه وتطويره ليقوم بدوره في الاقتصاد الوطني.
  • تعتمد إصلاحات في مستوى الأسواق المالية لاستيعاب شكل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وذلك بإيجاد آليات تمويلية بديلة من بينها ضرورة وجود بنوك تعاونية كما هو الحال بالنسبة لعديد المبادرات العالمية.
  • تحسين أوضاع النساء الفقيرات في القرى والأرياف حتى تصل إلى الأراضي الزراعية التي تنتج منها الغذاء وتوفر فرص عمل وسد احتياجاتهم (في غياب قوانين تنص على المساواة في الميراث).
  • دعم مبادرات التسيير الذاتي وتشجيع الفئات الاجتماعية الهشة من الشباب والنساء بتمكينهم من مقاطع من أراضي الدولة لاستثمارها وتسييرها في إطار اقتصاد اجتماعي تضامني.
  • تحرير التعاونيات بما يضمن استقلاليتها وحرية تأسيسها وتسييرها الذاتي.
  • دعم اللا مركزية وتوفير مناخ سياسي عام يتأسس على مبادئ الديمقراطية الاجتماعية والتشاركية
  • ارساء بيئة قانونية مبنية على دعم المساواة وتكافؤ الفرص وتبني تدابير ايجابية لوصول النساء إلى التمويل وخاصة في الأرياف والقرى.

اهتمت المنظمات النقابية ومنظمات المجتمع المدني بالاقتصاد الاجتماعي التضامني كحل لمظاهر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها العديد من البلدان العربية ما بعد الثورات.

في تونس قدم الاتحاد العام التونسي للشغل أهم منظمة نقابية في تونس في شهر أغسطس 2016 “مبادرة تشريعية حول الاقتصاد التضامني والاجتماعي تتمثل في مشروع قانون مرفوق بحزمة من التشريعات ينظم هذا النوع الجديد من الاقتصاد تضم قرابة 53 فصلا، وذلك بالاستعانة بـ18 خبيرا، وتم عرض هذه المبادرة أخيرا على مجلس نواب الشعب للنظر فيها.”[34]

وحيث أن تجارب عديدة تنتظر إصلاحات تشريعية حقيقية في بلداننا العربية وخاصة في بلدان الثورات العربية ورغم أن الواقع المتغير والمسار الذي فرضته الثورات يقر بمشروعية كل المطالب المنادية باللامركزية والتنمية المحلية وتوفير مناخ سياسي عام يتأسس على مبادئ الديمقراطية الاجتماعية والتشاركية فإن التشريعات لازالت تعتمد التسيير المركزي للدولة ولم يتم استيعاب المبادرات التنموية الجديدة بل حكمت على بعضها بالفشل (مثال مصنع ماموتاكس للنسيج بالساحل التونسي).

على الدول العربية الاقتياد بتجارب عالمية حققت أشواطا في العدالة الاجتماعية وذلكبأحداث هيئات استشارية مستقلة وديمقراطية وهو ما قامت به البرازيل حين “أنشأت هيئة وطنية لتسويق منتوجات وخدمات الاقتصاد الاجتماعي التضامني وفقا لمبدأ العدالة والتضامن ويعتبر نظام التجارة العادلة التضامنية أول نظام في العالم يرتبط بالاقتصاد التعاوني أقره رسميا الرئيس البرازيلي في سنة 2009.”[35]

في هذا الإطار لا يمكن الحديث عن دور تدخلي للدولة ولا يمثل الإطار التشريعي سوى بنية في خدمة المبادرة والإبداع في إطار الاقتصاد الاجتماعي التضامني. حيث تقتضي العدالة الاجتماعية والاقتصادية أن تعدل القوانين وتتطور لتتماشى مع المبادرات الاجتماعية التضامنية الجديدة لا أن تحاصرها باسم هبة الدولة ومنافستها في أملاكها (تجربة جمنة بالجنوب التونسي).[36]

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] التقرير العالمي للأجور لسنة 2010 -2011 لمنظمة العمل الدولية www.ilo.org/

[2] تقرير الأهداف الإنمائية للألفية 2011 للأمم المتحدة، https://is.gd/KaHqqG

[3] سمير أمين الدولة والاقتصاد والسياسة في الوطن العربي، الاقتصاديات العربية وتناقضات السوق والتنمية، مركز دراسات الوحدة العربية، ص80

[4]تقرير التنمية البشرية لسنة 2015، برنامج الأمم المتحدة للتنمية، ص 6

[5] تقرير التنمية البشرية لسنة 2015، برنامج الأمم المتحدة للتنمية، ص 4

[6] منجية هادفي، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء في تونس، أفكار في ظل ثورات الشعوب، الشبكة العربية لمنظمات التنمية، بيروت، لبنان، 2012

[7] الموقع الرسمي لأطاك المغرب، http://attacmaroc.org

[8] البنك الدولي، مؤشرات التنمية 2015، ص 49

[9]  التقرير العربي للتنمية المستدامة، العدد الأول 2015، ص 49

[10] المصدر السابق، ص 55

[11] المصدر السابق

[12] المصدر السابق، ص 59

[13] المصدر السابق

[14]اتجاهات البطالة في العالم، منظمة العمل الدولية، 2014، ص 71

[15] نعمات كوكو، المشاركة الاقتصادية للنساء في ظل السياسات النيوليبرالية، مجلة طيبه، 2016.

[16] منظمة العمل العربية 2012 نفس المصدر السابق ص 33

[17] نص الدستور التونسي في الفصل 46 من باب الحقوق والحريات على أن “تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها، تضمن الدولة، تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة فيتحمل مختلفا لمسؤوليات وفي جميع المجالات، تسعى الدولة إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة، تتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة.”

[18]المعهد الوطني للإحصاء، تونس 1999، http://www.ins.nat.tn/

[19] المعهد الوطني للإحصاء، تونس 2011، http://www.ins.nat.tn/

[20]الاتحاد العام التونسي للشغل، قطاع النسيج والملابس في تونس وتحدي إعادة إدماج العمال، تونس، 2005، ص 7

[21] ظروف العمل الفلاحي للنساء في الوسط الريفي، الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، 2014، ص57

[22]Ludovic lamant ; laTunisie rêvée de la banque mondiale et de la FMI 18 janv. 2011. https://is.gd/quCssR

[23] فؤاد الهيلالي، العولمة الرأسمالية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية على المرأة العاملة المغربية، http://www.ahewar.org/

[24]الفضاء الجمعوي.. الحق في العمل في المغرب، راصد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية، الشبكة العربية لمنظمات التنمية، بيروت 2012.

[25] نفس المصدر السابق.

[26] نعمات كوكو، المشاركة الاقتصادية للنساء في ظل السياسات النيوليبرالية، مجلة طيبة، 2013

[27]Jacqueline lorthios. Economie alternative extrait du “dictionnaire de l’autre economie ” 2005https://is.gd/OhaETK

[28] المصدر السابق

[29] المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للمملكة المغربية، تقرير حول الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بالمغرب، 2013

[30] منظمة العمل الدولية، التوصية 193 لسنة 2002، https://is.gd/QXIbIO

[31] نشر بوكالة المغرب العربي، 2010، http://www.maghress.com/

[32]RÉSISTER ET PRODUIRE: LA LUTTE DES OUVRIÈRES DE MAMOTEX, https://is.gd/6Vvs1H

[33] منى عزت، أول تعاونية نسائية في الصعيد، موقع أصوات مصرية، أغسطس 2016، https://is.gd/xkfVjI

[34]عصام الراجحي، الاقتصاد الاجتماعي التضامني… حلم تونسي مشروع، هافينجتون بوست، 8 نوفمبر 2016 https://is.gd/88fNXH

[35] المصدر السابق

[36] المصدر السابق (أحد الكتابات عن تجربة جمنة).

Start typing and press Enter to search

Shopping Cart