ما بعد الربيع العربي ومسؤولية المؤسسات المالية الدولية في تفاقم الفوارق الاجتماعية

ما بعد الربيع العربي ومسؤولية المؤسسات المالية الدولية في تفاقم الفوارق الاجتماعية

دراسة ضمن كتاب: الفجوات الاجتماعية والفوارق الطبقية في المنطقة العربية

تخضع العديد من الأقطار العربية، منذ ثمانينيات القرن العشرين، للتدخل المباشر للمؤسسات المالية الدولية في تحديد سياستها الاقتصادية والاجتماعية بواسطة عدة أدوات أهمها إعادة الهيكلة والمديونية. وقد تسببت هذا التدخل الاستعماري الجديد في تعميق أزمة النظام العربي القائم وانتشار الخراب الاجتماعي في كامل المنطقة مما غذى الاحتقان والشعور بالظلم الاجتماعي. كما بلغ هذا التوتر الاجتماعي حدة الأقصى، خلال سنة 2011، حيث تسبب في إشعال فتيل الثورة في العديد من الأقطار، كما ساعد على تأجيج الاحتجاجات الاجتماعية في العديد من الأقطار الأخرى، المطالبة بإسقاط الحكومات المسؤولة على الأزمة وبتغيير الأنظمة القائمة على أمل إيقاف النزيف الاجتماعي وضمان الحقوق الأساسية للجميع.

لم تتمكن، إلى حد الآن، التحركات الاجتماعية والانتفاضات الشعبية التي شهدتها المنطقة طوال الثلاثين سنة المنقضية، كما المد الجماهيري الثوري غير المسبوق منذ 2011، من وضع حد للتدخل السافر للمؤسسات المالية الدولية في مجالات سيادة دول المنطقة وحق شعوبها في تقرير مصيرها بنفسها. وهو ما ساهم في استفحال أزمة النظام العربي القائم وتفاقم عجز رصيد العدالة الاجتماعية.

نحاول، من خلال هذه الدراسة، إبراز مسؤولية برامج المؤسسات المالية الدولية، والقروض المشروطة التي ترافقها، في تفاقم الفوارق الاجتماعية في المنطقة العربية وفي تغذية الاحتقان الاجتماعي.

  1. من دولة الرعاية إلى ديكتاتورية إعادة الهيكلة الرأسمالية

تعمل قوانين نمط الإنتاج الرأسمالي بصفة “طبيعية” على استخراج القدر الأقصى من العمل المجاني من قوة العمل. كما يؤدي قانون التراكم الرأسمالي إلى تركيز الثروات، كل الثروات، بيد قلة قليلة من الرأسماليين. في المقابل يؤدي تطور نظام الإنتاج الرأسمالي إلى تطوير القوى الاجتماعية التي لا تسعى فقط إلى فرض اقتسام أقل حيفا لفائض القيمة، وإنما أيضا القوى التي يؤدي تطور وعيها الطبقي بذاتها إلى المطالبة بتغيير نمط الإنتاج برمته لجعل قوى الإنتاج في خدمة الجميع.

بالتالي فإن الجزء الأكبر من تاريخ الرأسمالية قد تميز بإنتاج الفقر والاقصاء وإعادة إنتاجهما على نطاق واسع، في مقابل تكديس ثروات، لم تشهد البشرية مثيلا لها، في يد قلة قليلة من الطغم المالية. ولنا في ذلك أفضل دليل في الوضع الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حيث كان جزء من السكان، لا يتعدى 1 بالمائة من مجموع السكان، يحتكر 99 بالمائة من الثروة المحلية. وها نحن اليوم نعيش مسارا شبيها من تنامي الفوارق الاجتماعية إن على مستوى كل قطر على حدة أو على مستوى الكوكب، لكن يجري ذلك بسرعة وعمق غير مسبوقين.

لكن وضعا اجتماعيا تبلغ فيه الفوارق الاجتماعية حدا لا يطاق، كالذي كان يسود الولايات المتحدة الأمريكية في بداية القرن العشرين، يهدد بالانفجار في كل لحظة، مهددا في ذات الوقت استقرار النظام وتواصل نمط الإنتاج. ولم تكن الحروب الإمبريالية كافية لنزع فتيل الأزمة الاجتماعية، على غرار الحرب العالمية الأولى. لذلك كان وجوبا على البرجوازية العالمية القبول بتقديم العديد من التنازلات لإدخال العديد من التعديلات على شروط اقتسام فائض القيمة الاجمالي، وذلك بإدخال جرعة من العدالة على النظام الاجتماعي لامتصاص الاحتقان الاجتماعي ولتهدئة الوضع.

غالبا ما يرفض الرأسماليون بصفتهم أفرادا، أي من منطلق مصلحتهم الخاصة، القبول بمثل هذه التنازلات، لكنهم يدفعون إليها اضطرارا، بصفتهم طبقة توحدها نفس المصالح التي تترجمها الدولة البرجوازية، والتي تحولها إلى سياسات اقتصادية واجتماعية. وهو ما بدأ بالفعل مع إدارة روزفلت[1] في الولايات المتحدة الأمريكية في بداية ثلاثينيات القرن العشرين، في إطار سياسة “العقد الجديد” ذو التوجه الاجتماعي التي أصبحت فيه الرعاية العمومية ركنا من أركان النظام الرأسمالي العالمي.

مثلت فترة ما بين الحربين العالميتين، وخاصة فترة ما بعد الحرب الثانية، المرحلة التي شهدت، خلال التاريخ الرأسمالي، تقديم الطبقة البرجوازية العالمية العديد من التنازلات الاجتماعية حفاظا على نمط الإنتاج الرأسمالي. تواصل مسار العدالة الاجتماعية الاستثنائي خلال ثلاث عقود وصفت “بالمجيدة”، مما ساهم في تحسن مستوى عيش السكان في بلدان الشمال وكان له دور إيجابي في التقليص من حدة الفوارق الاجتماعية بها، وبداية تحسن الوضع الاجتماعي في المستعمرات، إلا أن نهاية سبعينيات القرن الماضي، وخاصة عقد الثمانينيات، شهدت انقلابا للوضع ساهمت فيه العديد من التغيرات الجذرية الاقتصادية والجيوستراتيجية العالمية مكنت الرأسمالية العالمية من مصادرة جزء كبير من المكتسبات الاجتماعية التي راكمتها البشرية خلال عقود من الكفاح والتضحيات في إطار نظام العولمة الرأسمالية النيوليبرالية، كما أصبح هذا النظام يهدد كذلك التوازنات البيئية الكبرى، وبالتالي الأساس المادي لاستمرار النوع البشري.

  1. التنازلات الاجتماعية الاضطرارية للنظام الرأسمالي العالمي وقيام دولة الرعاية

إذن، دفع تراكب العديد من العوامل، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى حتى نهاية عقد ثمانينيات القرن الماضي، الطبقة الرأسمالية العالمية إلى تقديم العديد من التنازلات الاجتماعية في البلدان الصناعية، نتج عنها تحسن ملحوظ لمستوى عيش السكان. وتعد الثورة البلشفية، كما الأزمة الاقتصادية الكبرى التي أسعرت لهيب النضالات الاجتماعية، من أبرز العوامل، خلال فترة ما بين الحربين، التي دفعت الطبقة البرجوازية في البلدان الرأسمالية المتقدمة إلى إجراء تعديلات عديدة شملت المجال الاجتماعي كما وظيفة الدولة البرجوازية، والتي وضعت هذه البلدان على درب التقدم الاجتماعي. ولقد تجسم هذا المنعرج التاريخي من خلال اعتماد نظرية عالم الاقتصاد البرجوازي جون كينز كإطار مرجعي عام للنظام الرأسمالي، والذي تمثل بالخصوص في تمكين الدولة من الاضطلاع بدور اقتصادي واجتماعي هام، سواء بصفة مباشرة عن طريق الاستثمار المباشر في المشروعات الاقتصادية الكبرى، أو بصفة غير مباشرة عن طريق التخطيط العام للاقتصاد واعتماد نظام دولة الرعاية التي قامت بتحويل جزء متنام من فائض القيمة إلى خدمات اجتماعية لفائدة عموم المواطنات والمواطنين.

ثم تدعم هذا التوجه الجديد للنظام الرأسمالي العالمي على إثر الحرب العالمية الثانية جراء الخسائر الفادحة في الأرواح والدمار الهائل الذي لحق المنشآت بجميع أنواعها في شتى أنحاء المعمورة، ورغبة الطبقات الحاكمة في التخفيف من وطأة هذه الجرائم على الرأي العام العالمي، وضرورة جبر الأضرار المادية. وهو ما دفع إلى مزيد من الاعتماد على تدخل السلطات العمومية في إدارة الاقتصاد من خلال ضبط برامج كبرى وخطط عامة لإعادة البناء والإعمار.

وقد ساهم في تدعيم هذا التوجه الاجتماعي توسع نفوذ الأنظمة الاشتراكية إلى جزء من قارة أوروبا وخاصة نجاح الثورة الشعبية في الصين، وما رافقه من انتشار للفكر الاشتراكي والأيديولوجيا الاجتماعية في بلدان المركز حيث تدعم نفوذ الحركة العمالية والأحزاب اليسارية، كما امتد تأثير الأيديولوجيا التحررية الاجتماعية إلى المستعمرات حيث غذى المد التحرري الوطني وأعطى دفعا هاما وحيوية كبيرة لحركات التحرر الوطني وعزز جانب شعوب المستعمرات في نضالها ضد الطبيعة الاستغلالية والاقصائية لنمط الإنتاج الرأسمالي وللنظام الرأسمالي بصفة عامة.

ما إن حل عقد سبعينيات القرن الماضي حتى اكتمل انتشار نظام دولة الرعاية ليشمل كافة البلدان تقريبا في الشمال كما في الجنوب، بما فيها الأقطار العربية التي استكملت تصفية مخلفات الاستعمار المباشر وخطت أشواطا نحو تحسين مستوى عيش سكانها. لكن، وفي نفس الوقت كان النظام الرأسمالي العالمي الذي تشكل على إثر الحرب العالمية الثانية قد استنزف كافة قواه، ليدخل في فترة ركود عصيبة أفضت في بداية الثمانينيات إلى انتصار التوجه الرأسمالي الليبرالي المعادي لأي دور اجتماعي واقتصادي للدولة. ولقد تجسد ذلك في انتصار نظام العولمة الرأسمالية النيوليبرالية الذي اكتسح الكوكب في بداية تسعينيات القرن الماضي. وقد سرعت العولمة الرأسمالية بزوال أنظمة الرعاية في كافة المنطقة العربية وإحلال نظام إعادة الهيكلة الرأسمالي.

  1. ديكتاتورية إعادة الهيكلة الرأسمالية

شهدت الإجابات الأيديولوجية السائدة في قطاعات النظام العالمي الثلاثة، خلال سبعينيات القرن الماضي أزمة حادة، وهي قطاع الاقتصاد المخطط بطريقة بيروقراطية في بلدان منظومة الاتحاد السوفييتي، وقطاع النماذج الكينزية والفوردية التي كانت تطبقها بلدان المركز الرأسمالي، وقطاع تجارب التنمية المتعددة في بلدان العالم الثالث. ومهدت أزمة تلك الأيديولوجيات، التي سادت العالم بعد الحرب العالمية الثانية، لقيام الثورة المضادة المحافظة وانتصارها الذي جسمه على المستوى السياسي وصول تاتشر إلى السلطة في إنجلترا سنة 1979 وريجان في الولايات المتحدة الأمريكية، 1981. وكذلك تانغ هسياوبينج حامل راية “الإصلاح الاقتصادي” الرأسمالي في الصين بعد وفاة ماو تسي تونج سنة 1978.

كما برز هذا التفوق الأيديولوجي الليبرالي من خلال التبني الشامل للنهج الرأسمالي الليبرالي المتطرف الذي تمكن من اكتساح الكوكب في بداية التسعينيات، وفرض قانونه على العالم بأسره في إطار استبداد ما يسمى “توافق واشنطن” أي:

  • على المستوى الأيديولوجي: الزعم بأن الليبرالية الجديدة هي المستقبل الوحيد الممكن أمام البشرية. بعبارة أخرى “نهاية التاريخ” واستحالة المستقبل. حيث أنه تم تأويل انهيار الاتحاد السوفييتي سنة 1991 باعتباره الانتصار النهائي للرأسمالية عامة وللإمبريالية الأمريكية على وجه الخصوص:
  • على المستوى السياسي: الزعم بأنه لا يوجد بديل عن هيمنة الدول الإمبريالية الرأسمالية وعلى رأسها الإمبريالية الأميركية.
  • على المستوى الاقتصادي: الزعم بأن اقتصاد السوق والتملك الخاص لثمار العمل وقانون الربح والمنافسة المعممة هي الآليات الممكنة الوحيدة “لتنظيم” المجتمعات.

لم تكن المنطقة العربية بمنأى عن هذه الاضطرابات الأيديولوجية والاقتصادية الضخمة التي طالت النظام الرأسمالي العالمي، وعجلت نهاية تجربة التنمية المزعومة، التي كانت تقودها البرجوازيات المحلية، وهو ما سمح للقوى الرأسمالية العالمية بالإمساك بعجلة القيادة في جل الأقطار العربية حيث شرعت في إعادة هيكلة اقتصادها وتوطيد دعائم نظامها الاستعماري الجديد.

تتمثل أبرز أدوات هذه الديكتاتورية الرأسمالية الليبرالية، التي تسعى مختلف شروطها الاقتصادية الاجتماعية والسياسية والبيئية، إلى إعادة الهيكلة الرأسمالية الليبرالية الشاملة للدولة والاقتصاد والمجتمع، وهي تعتمد في ذلك أساسا نظام الديون لفرض هذه الشروط على أقطار الجنوب بما فيها الأقطار العربية. علما بأن نظام الديون قد تم توسيع دائرة تدخله على إثر الآزمة المالية لسنة 2008 إلى العديد من أقطار الشمال، ولنا فيما يحدث في اليونان، وغيرها من أقطار الشمال، أحسن دليل على ذلك. كما تعد السلطة السياسية الاستبدادية بدورها من أبرز أدوات ديكتاتورية إعادة الهيكلة الرأسمالية.

أخيرا، ينتج عن هذا التدخل الاستعماري الجديد في المنطقة العربية تفاقم الأزمة الإنسانية بما تشمله من خراب اجتماعي، وأزمة توظيف قوى العمل سواء برز ذلك عن طريق الارتفاع غير المسبوق لنسب البطالة أو تجلى في النقص الفادح في استخدام العمالة، والذي يغذي بدوره التهميش والاقصاء والبؤس الاجتماعي وتعميم الفقر، وبالتالي استفحال الفوارق الاجتماعية على خلفية أزمة النظام العربي القائم التي فاقمتها إعادة الهيكلة. تسبب هذا الوضع في إشعال في النهاية فتيل الثورة والغضب الجماهيري خلال سنة 2011.

  1. المؤسسات المالية الدولية: “الراعي الرسمي” للسياسات الاجتماعية المسمومة في المنطقة العربية

نعني بالمؤسسات المالية الدولية تحديدا صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، وهما “مؤسستان شقيقتان ضمن منظومة الأمم المتحدة تشتركان في هدف واحد، هو رفع مستويات المعيشة في بلدانهما الأعضاء. وتتبع المؤسستان منهجين متكاملين لتحقيق هذا الهدف، حيث يركز الصندوق على قضايا الاقتصاد الكلي بينما يركز البنك على التنمية الاقتصادية طويلة الأجل”[2]. لقد سفهت التجربة الواقعية التي عاشتها العديد من الأقطار العربية، التي خضعت للمعالجة المزدوجة لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، كل هذه الادعاءات حول مزاعم سعي مؤسستي بريتن وودز إلى “رفع مستويات المعيشة” أو تحقيق التنمية الاقتصادية. حيث كانت موجة الغضب الشعبي العارمة، التي اجتاحت المنطقة العربية خلال 2011، جوابا واضحا ضد سياسات هذه المؤسسات ولبقية الدوائر الرأسمالية العالمية حول ما تدعيه من “مساعدة” أقطار المنطقة على تحقيق “التنمية الاقتصادية” من أجل الرفع من مستوى عيش سكانها. وقد كانت الثورة التونسية والمصرية بالأساس، كما حركة 20 فبراير بالمغرب أفصح جواب على الطبيعة الاجتماعية المعادية لسياسات القوى الرأسمالية الدولية وفي مقدمتها مؤسستي بريتن وودز.

  1. سياسة إعادة الهيكلة الرأسمالية الليبرالية

تعد برامج إعادة الهيكلة، في تصور خبراء مؤسسات بريتن وودز، مجموعة متكاملة من الإجراءات التي تشمل الاقتصاد بدرجة أولى وتهدف إلى إعادة تشكيل هياكل البلدان النامية الاقتصادية والاجتماعية، كما الدولة والمجتمع، مع متطلبات المنافسة والسوق العالميتين. كما يزعم خبراء صندوق النقد والبنك العالميين أن هذه البرامج تضمن التوزيع الأمثل للموارد المادية والبشرية بكيفية تسمح بخلق الديناميكية الاقتصادية والاجتماعية المناسبة لتحقيق نمو اقتصادي سريع يمكنها من الخروج من التخلف. لذلك تبدو سياسة إعادة الهيكلة، من وجهة النظر هذه، مشروعا متكاملا لتحقيق التنمية المنشودة التي عجزت سياسات التنمية السابقة عن تحقيقها.

بادرت الأغلبية الساحقة من أقطار العالم الثالث بتطبيق هذه السياسة منذ ثمانينيات القرن العشرين، ولا تزال على هذا التوجه إلى اليوم. مما يسمح بالقول بأن الثلاثين سنة الأخيرة، قد مثلت عصر التنمية المخططة حسب التصورات الرأسمالية الليبرالية من قبل الخبراء التابعين لمؤسسات بريتن وودز.

يتمحور منوال التنمية هذا حول هدف أساسي هو: “الزيادة المعتبرة في عائدات التصدير باعتبارها الشرط الذي لا محيد عنه للتنمية في ظل الظروف الراهنة”. لذلك نلاحظ أن إجراءات سياسة إعادة الهيكلة توجه، بصفة هامة، جهاز الإنتاج المحلي نحو السوق العالمية.

ولقد تعددت الدراسات النقدية لإجراءات وأهداف هذه السياسات الرأسمالية الاستعمارية الجديدة، منذ أن شرع في تطبيقها وذلك للتعرف عما إذا كانت بالفعل تمثل فرصة حقيقية أمام البلدان النامية لإعطاء دفع هام ومتواصل لاقتصادها ولتحسين مستوى عيش سكانها؟ ولقد بينت مختلف هذه الدراسات أن النظرية الرأسمالية الليبرالية تتضمن عدة تناقضات أساسية بين الأهداف المعلنة والوسائل المقترحة لبلوغها: سوف نكتفي فيما يلي باستعراض أبرز المآخذ التي تبلورت حول ما يمكن اعتباره بمثابة العربة الجارة للنمو في المنوال الرأسمالي الليبرالي للتنمية أي التصدير. لنتساءل عن المعنى الحقيقي لما يسمى “معركة التصدير”، ثم عن مدى واقعية احتمال ربح هذه المعركة؟

  • تهم معركة التصدير، من وجهة النظر هذه، جميع أقطار الجنوب، أو على الأقل تلك التي انخرطت في سياسة إعادة الهيكلة. أما وجهة الصادرات فهي بالأساس البلدان الغنية، وإلا لن يكون لبرامج إعادة الهيكلة من معنى، باعتبارها توجه جميع طاقات البلدان النامية إلى التصدير وذلك عن طريق التخفيض في قيمة العملة المحلية، والضغط على الاستهلاك الداخلي الذي ينتج عن تدهور القدرة الشرائية لعموم الكادحين. ثم إن حصة هذه الأقطار في التجارة العالمية تبدو محدودة نسبيا حيث لا تتجاوز خمس المبادلات التجارية العالمية[3].

تتطلب الزيادة في صادرات البلدان النامية نحو الأقطار الغنية تحقيق هذه الأخيرة نسب نمو مرتفعة جدا لوارداتها، لكن ما يحدث منذ عقد أكثر من عقيدين، وخاصة على إثر الأرمة المالية العالمية سنة 2008، هو تباطؤ عام في نسق النمو الاقتصادي في بلدان الشمال، تتخللها من حين لآخر فترات انتعاش سرعان ما تزول ليعم الكساد مجددا. بالإضافة إلى ذلك تطبق هذه الأقطار بدورها سياسات اقتصادية مماثلة توجه بدورها الاقتصاد نحو التصدير تشهد الأقطار الغنية منذ عقدين.

إذن تحيلنا قضية “معركة التصدير” إلى مسألة أساسية تتعلق بطبيعة المنافسة في سوق عالمية موحدة، بعد أن انتزع منها قدر هام من الحواجز التي كانت تعيق تنقل البضائع والرساميل. ليس من المعقول أن تبني بلدان الجنوب استراتيجياتها التنموية، بصفة تكاد تكون كلية، على التصدير داخل سوق عالمية تتميز، أكثر من أي وقت مضى، تتنافس فيها قوى غير متكافئة كليا. وحتى في صورة قبولنا جدلا بإمكانية ظفر عجج من الأقطار النامية بحصة ذات معنى في هذه السوق العالمية، برغم عدم التكافؤ هذا، فان الهدف المنشود سيظل بمثابة السراب، حيث أن المعركة التنافسية تؤدي بالضرورة إلى التخفيض في الأسعار، وهو ما من شأنه أن يبطل مفعول الزيادة المحققة على مستوى حجم الصادرات التي تضحي من أجلها أقطار الجنوب بالغالي والنفيس.

  • كما تقتضي معركة التصدير، في إطار نظام المنافسة المعممة، الرفع في نسق الاستثمارات وهو ما يعني بالخصوص الزيادة في واردات مواد التجهيز من البلدان المصنعة. هنا يكمن بالذات التناقض الثاني، حيث ستلتهم الزيادة المتوقعة في قيمة الواردات الزيادة المنتظرة في قيمة الصادرات، إن هي حصلت بالفعل.

أما التناقض الثالث فيتعلق بالعلاقة الوثيقة التي تربط ما بين القدرة على تلبية الحاجيات البشرية الأساسية وبين القدرة على الرفع من مستوى إنتاجية العمل باعتبارها أحد الشروط الهامة لربح معركة التصدير. كيف يمكن تحسين مردود العمل في حين تحث برامج إعادة الهيكلة الرأسمالية الليبرالية دول العالم النامي على التقليص في المصروفات الاجتماعية واعتماد سياسة التقشف، مما يؤدي إلى تراجعات خطيرة في مجالات أساسية كالتعليم والصحة والغذاء وذلك بشهادة عديد المنظمات الأممية (اليونيسف، واليونسكو، وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، ومنظمتا الصحة والتغذية العالميتين). كيف يمكن تحسين إنتاجية العمل عندما تتزايد حالات سوء التغذية أو نقصها في وقت تسوء فيه الظروف الصحية لعدد متزايد من السكان ويتراجع فيه الإقبال على وسائل العلاج العصري وتنتشر المجاعات والأوبئة من جديد بعد أن أمكن التحكم فيها إلى حد لا يستهان به في السنين القريبة الماضية؟

كيف يمكن التخلص من هذه التناقضات لبلوغ التنمية المنشودة؟ هذا ما لا يجيب عنه خبراء صندوق النقد والبنك العالميين. في الواقع هذا الأمر لا يعنيهم تماما! إن مهمتهم تتمثل في إعادة هيكلة الاقتصاديات المتخلفة حسب مقتضيات تسديد خدمة الدين الخارجي، حيث يجب علينا أن نعترف بنجاحهم في تحقيق تلك الغاية إلى الآن.

كيف يمكن تحسين مردود العمل في الوقت الذي تهدد فيه سياسات إعادة الهيكلة مقومات ما تسميه “الموارد البشرية” أو “الرأسمال البشري”، أي عندما تسوء أحوال التعليم العمومي والصحة العامة ويقصى الفقر أعدادا متزايدة من السكان من المرافق الضرورية؟ كيف يمكن تحسين مردود العمل عندما تتزايد حالات سوء التغذية أو نقصها في وقت تسوء فيه الظروف الصحية لعدد متزايد من السكان وينقص فيه الإقبال على وسائل العلاج العصري وتنتشر فيه المجاعات والأوبئة من جديد بعد أن أمكن التحكم فيها إلى حد لا يستهان به في السنين القريبة الماضية؟

هكذا إذا تبدو اليوم وضعية أغلب البلدان النامية، بما فيها الأقطار العربي، بعيدة كل البعد عن الصورة المتفائلة التي كانت ترسمها لها أيديولوجيا التنمية الرأسمالية منذ أواسط القرن العشرين. فنمط التصنيع المعوض للواردات قد أفلس على نطاق واسع بينما ازدادت ظروف اقتصاديات العالم النامي حدة بعد أن شهدت تطورا مذهلا للأنشطة غير المهيكلة وتكاثرت هنا وهناك “المناطق الحرة” واشتدت أزمة الريف الناتجة عن تواجد قطاع تجاري تصديري من ناحية وقطاع معاشي أو تجاري محلي من ناحية أخرى. كما تفاقمت الأزمة الحضرية نتيجة الانعكاسات الاجتماعية لسياسات إعادة الهيكلة وفك التعهد الحكومي في المجالات الاجتماعية بالخصوص.

بالإضافة إلى ذلك تدهورت قيمة الصادرات الأولية بصفة خطيرة على حساب العالم النامي بينما شهد العالم المتقدم تحولات تكنولوجية هامة مما زاد في تدهور شروط التبادل بين الشمال والجنوب ويمكن أن نضيف ظاهرة أخرى تعكس بدورها تردي أوضاع الكثير من أقطار العالم النامي وهي تخص التنقلات السكانية الجماعية متمثلة إما في أفواج اللاجئين في القارات الثلاث وبالأخص في القارة الأفريقية أو هجرة العمل والتي واجهها الشمال بإجراءات لا تخلو من مضامين عنصرية مثل القانون عدد 187 في كاليفورنيا أو اتفاقية شنجن الأوروبية.

بلغت الفوارق في الدخل، نتيجة لذلك، وفي مستوى المعيشة ما بين “الأغنياء” و”الفقراء” حدا غير مألوف، فعلى سبيل المثال تحصل عائلة متوسطة في ضواحي باريس على دخل يفوق بمائة مرة دخل عائلة ريفية في جنوب شرقي آسيا، كما أنه على مزارع فيليبيني أن يعمل طوال سنتين كاملتين كي يحصل على أجر مساو لما يحصل عليه محام نيويوركي مقابل ساعة واحدة من العمل.

كما تفيد الاحصائيات السكانية[4] أن 85 بالمائة من سكان المعمورة يعيشون في بلدان “فقيرة”، فيما لا تعد البلدان الغنية إلا 15 بالمائة المتبقية، لكنها تستحوذ مع ذلك على 80 بالمائة من الدخل العالمي. أما مجموعة “الأقطار ذات الدخل الضعيف” فان نصيبها من الدخل العالمي لا يتعدى 5 بالمائة في حين أنها تأوي حوالي أربعة مليار ساكن، وهي حصة أضعف من حجم الدخل الخام الفرنسي. ثم إن دخل مجموع أقطار إفريقيا جنوب الصحراء، التي تضم حوالي مليار ساكن، يعادل دخل ولاية تكساس الأمريكية.

هكذا يبدو من الواضح أن الهوة الفاصلة بين العالمين الغني والفقير قد اتسعت وتعمقت بداية من ثمانينيات القرن الماضي بالتزامن مع كساد الاقتصاد العالمي وما انجر عنه من انهيار أسعار المواد الأولية وانفجار أزمة الدين التي أدت بدورها إلى الشروع في تطبيق برامج إعادة الهيكلة على نطاق واسع، بعد أن ظل الاعتقاد سائدا منذ عقد الخمسينيات بأن البلدان النامية بصدد السير في طريق النمو لأجل اللحاق “بركب الأمم المتقدمة”.

  1. انتصاب ديكتاتورية إعادة الهيكلة الرأسمالية في المنطقة العربية

خضعت الدول العربية تباعا، منذ مطلع ثمانينيات القرن العشرين، لمعالجة المؤسسات المالية الدولية وكانت الحكومة المغربية الأولى على رأس القائمة، حيث شرعت منذ 1983 في تطبيق سياسة إعادة الهيكلة، ثم تلتها الحكومة التونسية سنة 1986، ثم حكومات كل من مصر (1991) والجزائر (1994) وكذلك الشأن بالنسبة للأردن ولبنان وسوريا وموريتانيا واليمن والسودان. وبذلك خيم على جزء كبير من المنطقة العربية نظام إعادة الهيكلة الرأسمالي المتطرف لعدة عقود من الزمن. قبل أن تشرع الثورات والهبات الاجتماعية في زعزعة أركان هذا النظام الذي قضى على دولة الرعاية واستنزف مواردها وفكك الاقتصاديات المحلية وحول وجهة وحداتها الاقتصادية النشيطة نحو السوق العالمية، ونشر الخراب الاجتماعي على نطاق واسع في الأرياف كما في مدن المنطقة العربية. ولم تستفد من هذا النظام، بالإضافة للقوى الرأسمالية العالمية، إلا قلة من رجال الأعمال والمضاربين المحليين، فيما كان نصيب الأغلبية الساحقة الانحدار الاجتماعي. لكن، وبعد مرور ستة سنوات على انفجار أزمة النظام العربي، يبدو اليوم المشهد العام لعموم المنطقة العربية أكثر قسوة وأشد تأزما، فيما أحكمت المؤسسات المالية الدولية قبضتها الحديدية على مصائر شعوب المنطقة، فاستغلت عجز القيادات السياسية “الجديدة” على ترجمة تطلعات الشعوب إلى سياسات اقتصادية واجتماعية بديلة، لتعود بسياسات لا تقل خطورة وظلما من تلك التي دفعت شعوب المنطقة للثورة.

إن سياسة إعادة الهيكلة الرأسمالية الليبرالية للدولة والاقتصاد والمجتمع هي بمثابة سلاح الدمار الشامل الذي تستعمله المؤسسات المالية الدولية، منذ ثلاثين سنة، سواء في المنطقة العربية أو في سائر بلدان الجنوب. لهذه السياسة بلا شك تأثير مباشر وهام على كافة دوائر الحياة الاجتماعية في البلدان الخاضعة لجبروتها، بما في ذلك شروط عيش السكان واقتسام الدخل المحلي وتحقيق العدالة الاجتماعية والتخفيض من حدة الفوارق الاجتماعية أو تأجيج نيرانها.

ترمي سياسة إعادة الهيكلة بالأساس إلى إخضاع المنطقة العربية إلى منطق نظام العولمة الرأسمالية الاستعماري الجديد. ولبلوغ هذه الغاية تسعى هذه السياسة إلى إضعاف الدولة المحلية ماليا وإخضاعها سياسيا، وذلك عبر التقليص من دورها في كافة دوائر الحياة الاجتماعية، خاصة مساهمتها في الدورة الاقتصادية وتطوير جهاز الإنتاج، والزيادة في الدخل الوطني، كما دورها الاجتماعي التعديلي وإيفاءها بالتزاماتها الاجتماعية تجاه عموم المواطنات والمواطنين. كما إخضاعها لشروطها بواسطة نظام الديون.

يسلط ضغط إعادة الهيكلة، بدرجة أولى، على ميزانية الدولة، سواء على مستوى مصادر تمويلها أو هيكلة نفقاتها. والتي تكتسي، من خلال ما تعبئه من موارد مالية وما تنْفقه في شتى القطاعات، دورا بالغ الأهمية في حياة البلاد.

عندما نتحدث عن تدخل الدولة في المجال الاقتصادي فذلك يعني السياسة الاقتصادية، وعندما نتحدث عن تدخلها في الحقل الاجتماعي فذلك يعني السياسة الاجتماعية. تمارس الدولة هذه السياسات من خلال ميزانيتها التي تكثف برنامجها، وخطة عملها خلال السنة المحددة. إذن فالميزانية هي مسألة سياسية بامتياز. كما أن حجم الميزانية الذي يساوي ثلث الناتج المحلي الخام، ومجموع إجراءاتها التي تخص الجباية والاقتراض والاستثمار والإنتاج والأجور والأسعار والخدمات الاجتماعية والبيئة، إلخ… لها انعكاس هام ومباشر على واقع تونس ومستقبلها. فهي إذن سلاح قوي، فإما أن توظفها الدولة لتحقيق الرخاء الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وإما أن تكون أداة مسلطة على المجتمع في خدمة مصالح أقلية من الأثرياء.

تفرض سياسة إعادة الهيكلة على ميزانية الدولة هدفا أساسيا يتمثل في استمرار خدمة الدين، مما يضمن ديمومة نظام المديونية الذي يمول بدوره النظام القائم ويضمن استمراره. لذلك ليس من الغريب أن نجد خدمة الديون على رأس نفقات ميزانيات أغلب الأقطار العربية. لذلك قامت كافة الحكومات المتعاقبة على الحكم في تونس، منذ فرار بن علي، بإعداد ميزانياتها على قياس شروط إعادة الهيكلة، وخاصة إلزامية تواصل تسديد خدمة الدين، كأولوية مطلقة قبل كل المطالب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي نادت بها الثورة. واعتبارا لكون تسديد الدين هو الهدف الأساسي لميزانية الدولة، فإنه يصبح من الضروري التخفيض في النفقات الاجتماعية، خاصة منها المرصودة للتعليم والصحة العموميين. وكذلك الشأن بالنسبة لنفقـــات دعم أسعار مواد الاستهلاك الشعبي الأساسية. ولتثبيت هذه السياسة وقعت حكومة النهضة الاسلامية، في أبريل 2013، اتفاقا مع صندوق النقد الدولي يتعلق بحزمة جديدة من إجراءات إعادة الهيكلة[5]. ثم تعاقد من جديد الائتلاف الحاكم، الذي يضم بالخصوص حزب الاسلاميين وحزب نداء تونس الليبرالي الحداثي، مع صندوق النقد الدولي حول حزمة إضافية من التعديلات الهيكلية لفترة أربع سنوات مصحوبة بقرض جديد، يعد الأعلى في تاريخ البلاد بقيمة 2.6 مليار دولار، مقابل تطبيق المزيد من الشروط التي تهدف إلى تشديد سياسة التقشف في المصاريف العمومية ومزيد خفض مساهمة الدولة في الدورة الاقتصادية وخاصة إضعاف قدرتها على ضبط السياسات الاقتصادية والاجتماعية. ليس الأمر خاف على أحد في تونس، حيث ورد في رسالة النوايا التي توجهت بها الحكومة للمديرة العامة لصندوق النقد الدولي، والتي تحصلت على مجموع الشروط وخطة الطريق لتنفيذها والاجراءات العملية لمراقبتها تطبيقها. نجد طي هذه الرسالة العديد من الاجراءات مثل طرد عشرات الآلاف من أعوان الوظيفة العمومية والترفيع في السن القانوني للتقاعد من 60 إلى 65 سنة، وتخفيض جرايات التقاعد، وتجميد الأجور والانتداب في الوظيفة العمومية والشروع في خصخصة مؤسسات عمومية إضافية، علما أنه من بين أكبر عشر شركات تعمل في تونس، نجد تسع شركات عمومية. بالإضافة إلى شروط الاتفاق مع صندوق النقد الدولي تخضع الميزانية إلى شروط العديد من المؤسسات المالية الدولية كالبنك العالمي، أو الإقليمية كالبنك الأوروبي للاستثمار أو البنك الافريقي للتنمية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والتي غالبا ما تندرج قروضها وبرامجها في إطار ‘توافق واشنطن’، وبصفة أدق ضمن الإطار الدولي الذي حدد ملامحه مخطط “شراكة دوفيل” الذي تم ضبطه خلال قمة الثمانية بفرنسا في ماي 2012.

  • فرصة ضائعة للعدالة الاجتماعية إذن فرصة سانحة للمؤسسات المالية الدولية

إن ما يسترعي الانتباه خلال السنوات الست الأخيرة التي تلت موجة الثورات والغضب الجماهيري في المنطقة العربية هو تمكن المؤسسات المالية الدولية من تعزيز موقعها في المنطقة من خلال إحكام قبضتها على العديد من الحكومات وفرضها المزيد من برامج إعادة الهيكلة الرأسمالية الليبرالية، وهو ما تسبب في تفاقم عجز رصيد العدالة الاجتماعية الذي يغذي بدوره التفاوت الاجتماعي.

  1. تعدد محاور الهجوم الرأسمالي الليبرالي على مستوى عيش السكان

سجلت السنوات القليلة الماضية إبرام العديد من اتفاقات إعادة الهيكلة مع المؤسسات المالية الدولية بوتيرة لم تشهد المنطقة العربية مثيلا لها قبل الثورة، وكأن هذه المؤسسات تدرك أنها في سباق مع الزمن العربي، تريد أن تهزم إرادة التغيير وحلم الطبقات الكادحة العربية بمستقبل أفضل.

كما أن اللافت في هذه الاتفاقات هو تعاظم الدور المباشر لصندوق النقد الدولي في تحديد السياسات الاقتصادية والاجتماعية في العديد من الأقطار وهو الدور الذي كان يضطلع به بالخصوص البنك العالمي. وفي ذلك أكبر دليل على تراكم المصاعب الاقتصادية ودخول أغلب اقتصاديات البلدان المعنية في مأزق لا يبدو له مخرجا، علاوة على احتدام الأزمة الاجتماعية التي أخذت، في العديد من الأقطار، منحى أزمة إنسانية حقيقية.

بالإضافة إلى تونس التي عقدت، بعد الثورة، اتفاقين هامين مع صندوق النقد الدولي بقيمة تفوق 5 مليار دولار يمتدان على 6 سنوات، وهي فترة معالجة طويلة للغاية تدل في حد ذاتها بالإضافة إلى خطورة الوضع على أن البلاد قد فقدت سيادتها في تحديد سياساتها بحرية فيما فقد الشعب حقه في تقرير مصيره بنفسه، عقدت كل من الأردن والمغرب ومصر اتفاقات شبيهة لا تقل خطورة على ما حدث بالنسبة لتونس.

أبرم الأردن خلال الصيف الماضي مع صندوق النقد اتفاقا بقيمة تفوق 0.7 مليار دولار لفترة تمتد على ثلاث سنوات. في الأثناء تسعى مصر عقد اتفاق مع الصندوق حول حزمة من الشروط التي تشمل قطاعات العديد من قطاعات الإنتاج والأنشطة المصرفية والمالية والشؤون الاجتماعية. كما أبرمت الحكومة المغربية مع الصندوق في المدة الأخيرة اتفاقها الثالث منذ سنة 2012 بقيمة تناهز 3.5 مليار دولار لتمويل حزمة جديدة من التعديلات الهيكلية وإجراءات التقشف يتم تنفيذها خلال العامين القادمين.

تتضمن كافة هذه البرامج نفس الاجراءات وتستعمل نفس الأدوات لتحقيق نفس الغايات. وهي برامج يجري تطبيقها في المنطقة العربية كما في عدد كبير من أقطار العالم منذ عشرات السنين وهي ما انفكت ترفع راية الاصلاح الرأسمالي الليبرالي لخدمة مصالح الرأسمال العالمي وحلفائه المحليين. في مقابل استنزافها لمقدرات الشعوب ونشرها الخراب الاجتماعي على نطاق واسع وتدميرها للمحيط الطبيعي. ومع ذلك فإن جميع هذه الاتفاقيات تزعم أنها تسعى للزيادة في الاستثمار ودفع عجلة النمو الاقتصادي لتحسين الأوضاع الاقتصادية بما يحقق النمو الاحتوائي لشرائح سكانية أوسع، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي لحماية الفقراء ومحدودي الدخل وإتاحة الموارد العامة للاستخدام في الإنفاق على البنية التحتية والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وتوفير فرص الشغل. كما تزعم جميع الحكومات في تونس والمغرب كما في مصر أو الأردن أن هذه البرامج هي برنامج محلية الصنع مائة بالمائة.

  1. توسيع غير مسبوق لمسارات الاقصاء الاجتماعي

تعمل سياسات إعادة الهيكلة عموما على فك الارتباط ما بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية الذي جرى تحقيقه إلى هذا الحد أو ذلك في ظل نظام دولة الرعاية، والذي مكن من تحقيق تحسن ملحوظ لظروف عيش السكان. ويتحقق فك الارتباط هذا عن طريق سياسة التقشف في النفقات الاجتماعية التي تضمن تعيد الدولة بواسطتها توزيع جزء من الدخل المحلي في شكل خدمات اجتماعية في شتى المجالات لفائدة عموم السكان وبصفة خاصة الشرائح الأفقر في المجتمع.

وبالتالي يسلط ضغط إعادة الهيكلة، بدرجة أولى، على ميزانية الدولة، سواء على مستوى مصادر تمويلها أو هيكلة نفقاتها. كما يبرز التأثير السلبي لإعادة الهيكلة على مستوى سوق الشغل، وخاصة على العمل المأجور الذي هو بالإضافة للجباية من بين الأدوات الأساسية، في النظام الرأسمالي، التي تمكن من التخفيف من حدة حيف توزيع الدخل والتخفيف من حدة الفوارق الاجتماعية.

ويبرز المفعول التخريبي لإعادة الهيكلة للقوى العاملة من خلال الارتفاع اللافت لنسب البطالة، ونقص استخدام العمالة الذي بلغ مستويات غير مسبوقة في أغلب الأقطار العربية خلال العقود الأخيرة. كما تغذي هذه الوضعية الكارثية للتشغيل الاقصاء الاجتماعي والحرمان من أبسط مقومات الحياة والكرامة الانسانية.

إن معاينة سريعة لتطور سوق الشغل في تونس من خلال رصد ظاهرة بطالة اصحاب الشهادات الجامعية كافية لإبراز حجم الدمار الذي تتسبب فيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية المستلهمة من الأيديولوجيا الرأسمالية الليبرالية الاستعمارية الجديدة. يعد هذا النوع من البطالة ظاهرة حديثة بالكاد يصل عمرها إلى عقدين من الزمن. كما يعبر النسق التصاعدي لهذه الظاهرة عن حدة التناقضات التي تشق اليوم الاقتصاد التونسي، وهي تحمل أيضا دلالات سياسية بالغة الأهمية.

لم يكن عدد المعطلين عن العمل المتخرجين من الجامعة يتجاوز 6000 شخصا، قبل أن يرتفع هذا العديد إلى 140 ألف قبل الثورة، أي سنة 2010، وكان ذلك من بين الأسباب المباشرة التي ساهمت في اندلاع الثورة. لكن هذه الأخيرة لم تضع حدا لتطور هذه الظاهرة إذ ارتفع عدد هؤلاء خلال السنة الجارية إلى ما يناهز 240 ألف معطلا عن العمل، نجد من بينهم 36.6 ألف متحصل على دبلوم التخرج في الطب، أو الصيدلة، أو الهندسة، أو شهادة ماجستير.[6]

قطعا ليست بطالة أصحاب الشهادات الجامعية قضاء وقدرا مبرمين. إن انتداب آلاف الأطباء والمهندسين والفنيين السامين والأساتذة والباحثين ليس فقط أمرا ممكنا، في آجال معقولة وفق الإمكانيات المادية المتاحة، بل هو إجراء يفرضه تنشيط الاقتصاد وتحسين كفاءته والرفع من مستوى التأطير الاجتماعي للبلاد وتحسين مستوى عيش السكان.

يعد هذا التدمير المستمر لقدرات سوق الشغل من أبرز العوامل المضادة التي تكرسها سياسات إعادة الهيكلة والتي ينتج عنها نسف متواصل لمقومات العدالة الاجتماعية والعيش الكريم لعموم المواطنات والمواطنين في المنطقة العربية.

تبرز الاحصائيات الحكومية في تونس[7] تواصل ارتفاع عدد العائلات المفقرة والتي تصنفها مصالح الشؤون الاجتماعية إلى عائلات معوزة، المقصود بها العائلات المعدمة التي تعيش تحت عتبة الفقر، وعائلات ذات دخل محدود. وقد بلغ عدد العائلات المعوزة 232 ألف عائلة، فيما بلغ عدد العائلات ذات الدخل المحدود 602 ألف عائلة. أي أن مجموع الفقراء، بناء على هذه الأرقام، يتجاوز أربعة ملايين شخصا، أو 38 بالمائة من مجموع السكان. في المقابل وفي نفس الوقت شهدت سنوات ما بعد الثورة تناميا لافتا في عدد كبار الأغنياء حيث تفيد التقديرات الأكثر جدية أن تونس تعد 6500 مليونير (ثروة ما بين 1 و8 مليون دولار أمريكي) و70 ملياردير (ثروة تفوق 9 مليون دولار أمريكي). أخيرا تراجعت تونس في الترتيب العالمي على مستوى التنمية البشرية[8] من المرتبة 75 سنة 1995 إلى المرتبة 81 سنة 2010 ثم 96 سنة 2015. وليس الوضع بأفضل حال في المغرب التي تقهقرت من المرتبة 117 سنة 1995 إلى المرتبة 126 سنة 2015 أو مصر التي تراجعت خلال نفس الفترة من المرتبة 107 إلى المرتبة 108.

أخيرا، أعلم صندوق النقد الدولي مؤخرا الحكومة التونسية اعتراضه على الزيادة في أجور الموظفين. وهدد، في صورة إدراج هذه الزيادة في قانون المالية لسنة 2017، كما كان مقررا بناء على اتفاق سابق ما بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، بوقف صرف أقساط الدين الذي منحه للدولة التونسية في إطار اتفاق إعادة الهيكلة لسنة 2016-2020. وفي نفس السياق، أعلم كل من البنك العالمي والبنك الأفريقي للتنمية أنهما سوف يرفضان بدورهما صرف مبالغ القروض المتفق عليها، إذا لم تمتثل الحكومة لتعليمات الصندوق.

في المقابل، عبرت الحكومة، في مناسبات عديدة وبطرق مختلفة، عن نيتها طاعة المؤسسات المالية الدولية، وبالتالي التنكر لالتزاماتها تجاه اتحاد الشغل، ومن خلاله لعموم أجراء الدولة، غير مكترثة بما يمثله ذلك من نسف لأسس الحوار الاجتماعي ومصداقية المفاوضات في وقت حساس، مما يمثل تهديدا حقيقيا لاستقرار البلاد ولأمنها.

وكرد على إخلاف الحكومة وعدها، عبر اتحاد الشغل عن “رفضه المطلق لأي تأخير أو إلغاء للزيادات المتفق في شأنها” مطالبا الحكومة “بتنزيلها وفق الأقساط المرسومة”، معتبرا “التنصل من ذلك ضربا لمصداقية التفاوض وتهديدا للاستقرار الاجتماعي وتنصلا من الالتزام بوثيقة قرطاج التي تعهدت الحكومة الحالية بتطبيقها”.

يتنزل هذا الصراع في إطار الصعوبات المالية المتزايدة التي تمر بها المالية العمومية، وخاصة ميزانية الدولة. ويكفي أن نذكر هنا بإيجاز أن ما يبدو مجرد عجزا تقنيا لتوازنات المالية العمومية الكبرى، هو أعمق من ذلك بكثير. فالمسألة سياسية قبل أن تكون سوء تدبير وخلل في توظيف الموارد المتاحة، إلخ. يكمن المشكل في سياسة إعادة الهيكلة الرأسمالية الليبرالية التي يجري تطبيقها في تونس، منذ ثلاثين سنة، التي أدت إلى إضعاف العديد من موارد الدولة الجبائية الهامة، بما تفرضه من سياسة ضريبية متساهلة مع الرأسماليين الكبار، خاصة منهم الأجانب، كما مع أصناف عديدة من المهنيين الأثرياء. وللتعويض على النقص الحاصل في الموارد تسعى كافة الحكومات المتعاقبة إلى إثقال كاهل عموم الأجراء والمواطنين بالمزيد من الضرائب، كما يتم توجيه الدولة نحو المزيد من التداين. وعلى عكس ما هو مطلوب تماما بعد الثورة، تفاقمت طبيعة هذه السياسة الجبائية غير العادلة وغير المتبصرة، نتيجة لتشديد سياسة إعادة الهيكلة، وخاصة اتساع دائرة الفساد المالي، مما أفضى في النهاية إلى أزمة المالية العمومية الراهنة.

هكذا يبدو من الواضح اليوم أن طريق المؤسسات المالية الدولية هو طريق الانتحار الجماعي من أجل الحفاظ على نظام إعادة الهيكلة الاستعماري الجديد الذي حول تونس، كما العديد من الأقطار العربية الأخرى، إلى فردوس اقتصادي للرأسمال العالمي يحقق فيه نسب ربح عالية، وفي نفس الوقت جحيم اجتماعي بالنسبة للطبقات الكادحة والجماهير الشعبية عموما. وقد كانت الثورة برهانا لا جدال فيه عن الطبيعة الاجتماعية المدمرة لهذا النظام وفي نفس الوقت تعبيرا جماهيريا عن الرغبة في تغييره. تلك هي المعادلة اليوم في أغلب الأقطار العربية، ستة سنوات بعد الربيع العربي، بين إصرار القوى الاستعمارية الجديدة وحلفائهم المحليين على فرض الاستسلام للموت البطيء على أغلبية السكان، من ناحية، ورغبة هؤلاء في ملك مصيرهم لتقرير حياته بحرية على أساس مصالحه الاقتصادية والاجتماعية الخاصة.

ـــــــــــــــــــــــ

[1] حول الـNew deal، أنظر: https://fr.wikipedia.org/wiki/New_Deal

[2] صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، https://is.gd/wapwRy

[3] منظمة التجارة الدولية، https://www.wto.org/index.htm

[4] Rapport sur le développement humain 2015, https://goo.gl/RCih7u

Statistical Yearbook – 59th issue (2016 edition), https://is.gd/L70I0H

[5] وهو ثاني اتفاق تعقده حكومة تونسية خلال الثلاثين سنة الأخيرة كان الاتفاق الأول مع صندوق النقد الدولي في يوليو 1986 أقل من سنة الانقلاب الذي أطاح بحكم الرئيس بورقيبة.

[6] معدلات البطالة في تونس، أنظر: http://www.ins.tn/ar/themes/emploi

[7] البوابة الاجتماعية التونسية، http://www.social.tn/index.php?id=74

[8]Rapport sur le développement humain 2015, https://goo.gl/RCih7u

Start typing and press Enter to search

Shopping Cart