الحلقة المفرغة: من العشوائيات إلى مشروعات إسكان محدودي الدخل

الحلقة المفرغة: من العشوائيات إلى مشروعات إسكان محدودي الدخل

مقدمة

تعتمد هذه الورقة في توصياتها على تحليل لسياسات السكن في مصر، وخصوصا سياسة الدولة في التعامل مع العشوائيات ومشروعات إسكان محدودي الدخل. كما تستوحي بعض التوصيات من زيارة ميدانية ودراسة لسياسات الدنمارك وألمانيا في الإسكان.

استراتيجيات التعامل مع قضية السكن:

1-    اطار دستوري وقانوني يضمن الحق في السكن

يجب أن يتضمن الدستور المصري نصا صريحا يكفل حق المواطن في السكن الملائم, مع مراعاة أن يكون النص واضحا في تفسيره للمقصود من السكن الملائم، وهنا يسهل الاسترشاد بالتعليق العام للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي وضعت شروط للسكن الملائم منها أمن الحيازة القانونية، توفر خدمات المرافق والمواد والبنية التحتية، القدرة على تحمل تكاليف السكن، أن يكون قابلا للسكن، مع سهولة الحصول عليه والوصول أليه، وأن يكون مناسبا ثقافيا[1].

كما يجب أن ينص الدستور صراحة على مسئولية الدولة في تنفيذ وتحقيق مبدأ الحق في السكن الملائم للمواطنين.

أخيرا، ينبغي على المشرع الدستوري ألا يترك مجالا للمشرع العادي لانتهاك الحق في السكن من خلال تشريعات تحد من الحق في السكن أو تسمح للدولة بانتهاك هذا الحق، وذلك من خلال صراحة ووضوح النص. و للبرلمان دورا محوريا في إصدار تشريعات تنظم الحق في السكن الملائم وتحفز القطاعين العام والخاص على خدمة البسطاء ومحدودي الدخل أولا (مثلا من خلال الإعفاء الضريبي للمشروعات التي تستهدف إسكان محدودي الدخل) وللبرلمان الفرصة في خلق بيئة تشريعية جديدة تماما، وذلك للغياب الكامل لتشريعات تكفل الحق في السكن الملائم.

2-    السياسة العامة للدولة يجب أن يكون هدفها المواطن وحقوقه أولا

انطلاقا من مفهوم السكن كحق لكل مواطن يضمنه الدستور وتسهر الدولة على تنفيذه، يجب أن تراجع سياسات الدولة المتعلقة بالسكن تماما، خاصة من حيث استبدال تسليع الحق في السكن (أي معاملته كسلعة) بمنطق الحق الذي يملي أن السكن الملائم حق لكل مواطن وتحقيقه مسئولية تقع على عاتق الدولة.

ومن هذا المنطلق ينبغي إنهاء سياسات الإخلاء القسري للمساكن فورا وخاصة للعشوائيات، واستبدالها بسياسة التشاور مع السكان وإشراكهم في اتخاذ قرار إخلاء المساكن، مع العلم أن قرار الإخلاء يجب أن يكون في الحالات القصوى فقط وكحل أخير ووحيد، وعلما بأن العديد من السكان من كل محافظات مصر يتعرضون للضرب والاهانة بل ولتدمير منازلهم أمام أعينهم لإجبارهم على الرحيل.

وقف مشروع القاهرة 2050 وغيره من المشروعات التي تتجاهل المواطن وتهتم أولا وأخيرا بالأراضي والاستثمار، وذلك حتى إعادة صياغة سياسة عامة للسكن يكون أولويتها المواطن وليس الاستثمار، وإنهاء اللغة التحريضية التي يستخدمها المسئولون بوصف المناطق العشوائية ببؤر الإجرام التي ينبغي “تطهيرها”، والعمل مع سكان هذه المناطق من أجل تحسين ظروفهم و ليس من أجل الاستفادة من الأراضي التي يشغلونها، ولعل ما يعانيه أهالي رملة بولاق بمنطقة ماسبيرو اليوم هو أكبر شاهد على نوع السياسة الاستثمارية التي تجاهلت المواطن وحقوقه مفضلة الانتفاع من الأراضي على الحفاظ على بيئة المواطنين التي سكنها البعض منذ القرن التاسع عشر واحترام حقوقهم في السكن الملائم.

عندما يضحى الانتقال الى مناطق أخرى هو الحل الوحيد، بسبب استحالة المعيشة الصحية المناسبة فيه مثلا، ينبغي عندئذ مراعاة كافة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عند إعادة التوطين، مع التعلم من أخطاء السياسة الماضية التي تسببت في عودة السكان إلى مناطقهم العشوائية بعد أن انتقلوا لمناطق أخرى، فمن ضمن أسباب العودة بُعد المساكن الجديدة عن مكان العمل أو مدارس الأبناء مما فرض تكاليف للمواصلات لا تطاق، أو مشاكل أخرى كحرمان السكان في مساكنهم الجديدة من أبسط المقومات كالمياه والغاز والكهرباء والصرف الصحي. كما ينبغي أن تتضمن القرارات الوزارية لإعادة التوطين (والذي يتم نشره في الوقائع المصرية) على مستقبل الأسر التي سيتم تهجيرها والضمانات المتخذة لضمان حقوقهم وكرامتهم في الانتقال.

3-    سياسة موحدة للإسكان تستخدم استراتيجيات مختلفة لخدمة كافة المواطنين

فيما يتعلق بالضرائب: فرض ضرائب على أصحاب الشقق المغلقة لتشجيعهم علي تأجيرها وإعفاء محدودي الدخل القاطنين في مساكن مدعمة من الضرائب. وكذلك إعفاء القطاع الخاص من الضريبة العقارية في حال توفيره مساكن ملائمة لمحدودي الدخل بحد أقصى للإيجار يحتمله أصحاب الدخول المحدودة وتحدده وزارة الإسكان.

فيما يتعلق بتوفير المساكن: ينبغي أن تٌنَفَذ سياسة الدولة باستخدام استراتيجيات مختلفة لضمان توافر خدمات السكن الملائم لكل المواطنين، وخاصة لمحدودي الدخل منهم ممن يصعب عليهم الحصول على مساكن بسعر السوق. وفيما يلي عرض لبعض أهم السياسات الخاصة بتوفير المساكن والمتبعة في الكثير من دول الرفاهة:

الإسكان المدعم:

يعتبر الإسكان المدعم مظلة تضم العديد من آليات توفير الدولة للمساكن لمواطنيها، فالدعم قد يكون في هيئة مبلغ مالي تدفعه الدولة لمن لا يطيق توفير مسكن ملائم من راتبه المحدود، أو مبلغ تدفعه الدولة للمؤجرين أو أصحاب مشروعات الإسكان من القطاع الخاص، وذلك لتشجيعهم علي إسكان محدودي الدخل في مشروعاتهم وتعويضهم عن الإيجارات المنخفضة التي سيدفعها المستفيدون.

الدعم قد يكون في هيئة دعم لمواد البناء أو الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والصرف الصحي من خلال توفيرها بأسعار منخفضة عن سعر السوق، سواء كان توفيرها للمستفيدين مباشرة، أو للقطاع الخاص في مقابل توفير مساكن بإيجارات وأسعار منخفضة لفئة معينة، سواء كانوا من محدودي أو متوسطي الدخل.

تعاونيات السكن:

تعاونيات السكن آلية أثبتت نجاحها في دول عديدة كالدنمارك، وتعتمد التعاونيات على نموذج من اثنين: فإما أن تكون مدعمة من الدولة (سواء كان الدعم للأراضي أو للخدمات الأساسية أو لمواد البناء)، وإما أن تكون مستقلة عن دعم الدولة. في كل الأحوال، تتميز التعاونيات عن غيرها من نظم الإسكان بأنها لا تضم إلا أصحاب المصلحة من السكان المشاركين في تعاونية الإسكان، وهم نفس السكان الذين يختارون من داخلهم مجلس ادارة يهتم بكافة الأمور، وذلك يسهم في تقليص فرصة الفساد أو تردي أوضاع السكن. من الجدير بالذكر أن من مميزات نظام التعاونيات أنه لا يجعل البسطاء يعيشون في عزلة عن مجتمعهم، بل يساعد على دمج طبقات اقتصادية مختلفة في نفس التعاونية.

الإسكان غير الهادف للربح:

وتعود ملكية وإدارة هذه المساكن غير الربحية لجماعات مختلفة غير هادفة للربح، خاصة مثل الكنائس، والمجتمعات الثقافية العرقية أو الدينية أو حتى الحكومات. وتقدم هذه الجهات وحدات كثيرة باستخدام التمويل الخاص و/أو الدعم الحكومي لدعم برنامج للإيجار المدعم لذوي الدخل المنخفض من المستأجرين. ويمتاز هذا النوع من الإسكان باهتمامه بالفئات المهمشة، كالعاطلين عن العمل، وكبار السن واللاجئين.

السكن الذي توفره الدولة:

السكن الذي توفره الدولة يمتاز بانخفاض تكلفته الفعلية، حيث تستطيع الدولة تخصيص الأراضي لمشروعات الإسكان وتوفير مواد البناء ببساطة، وبذلك تستطيع الدولة توفير وحدات للتمليك والإيجار بأسعار بسيطة لمحدودي الدخل من المواطنين. وهنا يصبح العودة لنظام الإيجار في غاية الأهمية بدلا من استبداله تماما بنظام التمليك، الذي لا يطيق تكلفته الكثيرون مهما كان مدعما. وللبرلمان هنا دورا هاما في مراجعة قوانين الإيجارات العديدة التي تسببت بتناقضاتها وتجاهلها التام لمحدودي الدخل في ظلم المؤجرين والمستأجرين وخاصة محدودي الدخل منهم.

كما يتعين على البرلمان القيام بدور المراقب لمشروعات الإسكان، خاصة فيما يتعلق بسعر الوحدات الذي ينبغي أن يتناسب والقدرات المالية لمحدودي الدخل، واستجواب المسئولين من وزارة الإسكان عند الشك في الإخلال بأهداف هذه المشروعات، التي تخدم محدودي الدخل والبسطاء أولا.

مكملات الإيجار:

مكملات الإيجار هي مبالغ أو دعم معين توفره الدولة لأي مؤجر من أجل أن يسمح بسكن مستأجرين بأسعار منخفضة تتفق مع قدرة المستأجر المادية، ويكون المبلغ أو الدعم الذي توفره الدولة تعويضا للمؤجر عن الفارق بين الإيجار المنخفض وسعر السوق. مكملات الإيجار يجب أن تكون لها شروط وقواعد قانونية وأن تكون جزءا من سياسة الدولة للإسكان التي تهتم بالمواطن أولا، كما يجب أن تضع شروط واضحة للمنتفعين بناء على مستوى دخلهم السنوي.

4-    المراقبة والمحاسبة

بالرغم من كل ما شاب السياسة العامة للدولة من عشوائية وتجاهل للحق في السكن وانتهاكات لحرمة المنازل وغيرها من المشاكل، فإن للفساد دورا كبيرا في الفشل الذي آلت له السياسة العامة للدولة في السنوات العديدة الماضية. وهنا يكمن دور البرلمان، ليس فقط في الاشتراك في خلق سياسة عامة للدولة تضمن حق المواطنين في السكن الملائم، بل في مراقبة وضمان محاسبة المسئولين عند تنفيذ تلك السياسة وذلك من نواحي مختلفة.

  • الشفافية وتوافر المعلومات: يعتبر غياب الشفافية وحجب المعلومات عن المواطنين من أهم دعائم الفساد، حيث تظل الانتهاكات فردية يعيشها المواطنون ولا تصل للعدالة أو حتى تُفضح لدى الشعب. ومن هنا يتوجب على البرلمان تمرير قانون حرية تداول المعلومات والعمل على خلق البيئة التشريعية للشفافية، حتى يتثنى للمجتمع أن يحارب الفساد المنتشر، سواء في تخصيص الأراضي للمستثمرين وأسعارها، أو في مشروعات الدولة لمحدودي الدخل ذات الأسعار الخيالية والتي لا يطيقها حتى أصحاب الدخول المتوسطة.
  • آلية تلقي شكاوى المواطنين: يجب على البرلمان أيضا مراقبة وتعزيز آليات الشكاوى للمواطنين، لضمان وصول شكواهم والعمل على حل مشاكلهم.
  • كما ينبغي على البرلمان مراقبة سياسة الدولة أثناء تنفيذها وسؤال المسؤلين من الهيئة التنفيذية بصفة دورية، وخاصة من قبل لجنة حقوق الإنسان. وهنا لا ينبغي تهميش دور الجهاز المركزي للمحاسبات، خاصة في مراقبة دعم الإسكان ومشروعات الإسكان وذلك حفاظا على المال العام والمساهمة في كشف الفساد المالي.
  • يُعرض مشروع الموازنة العامة للدولة سنويا على البرلمان للموافقة عليه، وهنا يتعين على البرلمان مراقبة الموازنة من حيث اهتمامها بالإسكان من خلال تخصيص ميزانية خاصة تهتم أولا بكل من حُرِم أو على وشك الحرمان من حقه في السكن الملائم، ومراقبة تقارير الموازنة الشهرية لمعرفة أوجه صرف مخصصات الإسكان.

[1] () OHCHR. The Right to Adequate Housing (Art. 11(1))12/13/1991. CESR General Comment 4. http://www.unhchr.ch/tbs/doc.nsf/(Symbol)/469f4d91a9378221c12563ed0053547e?Opendocument  (General Comments)

Start typing and press Enter to search

Shopping Cart