الصراع الطبقي في موريتانيا بين مساري الصدام والتراكم

الصراع الطبقي في موريتانيا بين مساري الصدام والتراكم

ملخص
تبحث الورقة في جذور الصراع الطبقي في موريتانيا وأسبابه؛ حيث يعاني مئات الآلاف من أبناء الطبقات المهمشة من فقر وحرمان بات يغذي التمرد على مخلفات الماضي التي تخضع في هذه اللحظة لمساءلة ومحاكمة غير مسبوقة؛ فقد حفل ماضي المجتمع الموريتاني بالقسوة والجفاف، وورثت الدولة الحديثة تركيبة اجتماعية هشة وغير متجانسة ولم تُولِ الأنظمة المتعاقبة العدالةَ الاجتماعيةَ ما تستحق من عناية.

وينبه الباحث إلى الأخطار التي تواجه البلاد مع التحولات الحالية التي يقودها الأرقّاء والسابقون ومن يلحق بهم من فئات عرفت التهميش والظلم؛ إذ يبدو الآن أن مرحلة التحشيد التي انطلقت منذ عقود وعرف منحناها تذبذبًا في الصعود والهبوط بلغ في السنوات الأخيرة مراحل متقدمة من التهيئة للفعل التاريخي المؤثر الذي وصل في مراحل متأخرة إلى الانسياق بسهولة ويسر في أحد مسارين: المسار التصادمي بما يمكن أن يقود إليه من تمزيق وتشتيت وفتن أو المسار التراكمي بما يؤدي إليه في صيغته الإيجابية من تطوير التراكم وتعزيز عناصر القوة والالتحام الاجتماعي عبر بناء آليات استيعاب تُمَكِّنُ المجتمع والدولة من النجاح في بناء نموذج إيجابي يحقق العدالة الاجتماعية ويُؤَسِّسُ لأن تكون هذه التحولات عامل تطوير ونهضة وتقدم تجدد من خلالهما الدولة دورة الإنتاجية بوصفها تنظيمًا حيويًا يتطور ويسير مع الحياة بتناغم وانسجام.

وتخلص الورقة إلى أن قنبلة المسار التصادمي قد تستخدم لضرب مشاريع التحولات السياسية التي لا يرضى عنها الفاعلون المتأثرون بالتيار الفرانكفوني في موريتانيا إذا مالت كفة التحول لصالح التيارات الأكثر ميلاً لصناعة التحول عبر المسار التراكمي مع إدخال تعديلات تميز إيجابي لصالح الطبقات المهمشة وهو ما لا يُرضي التيارات الساعية للدفع بالصراع نحو آفاق انفجارية تحطم كل الأسس الاجتماعية التي تسعى للتحول اجتماعي آمن يحقق استجابة لمطالب الفئات المهمشة من جهة ويحفظ السلم الأهلي من جهة أخرى.

مقدمة

تعرف موريتانيا اليوم تحولات عميقة في بنياتها الاجتماعية والثقافية بشكل غير مسبوق، ونتيجة القهر الذي عرفته فئات وطبقات اجتماعية عديدة فإن السلم الأهلي بات خاضعًا لعملية تحول مع صيرورة الحياة الانتقالية للمجتمعات البدوية التي انتقلت من نمط الإنتاج الرعوي والزراعي البدائي إلى حياة المدن المعاصرة دون أن تخضع عملية الانتقال تلك لأي نوع من أنواع التأسيس الذي يأخذ بعين الاعتبار احتياجات السكان، وخصوصًا الفئات الأكثر فقرًا والتي وجدت نفسها على هامش مجتمع السلطة ومجتمع التجارة وسوق الخدمات، ولم تخضع هذه الفئات المسحوقة لأي تأهيل لمواكبة هذا الانتقال بما يحقق لها ضروريات العيش الكريم.

وإذا كانت السلطة ونخبها التي تعاقبت على الحكم خلال العقود الأخيرة قد فشلت في صناعة تحول اجتماعي فمن الواضح أن الطبقات المهمشة في موريتانيا قد صنعت لنفسها نخبها المناضلة من الشباب المتمدرس والخريجين الذين وجدوا البطالة بانتظارهم فانخرطوا يؤسسون المنظمات والجمعيات وابتعثوا من ركام الحاضر حراكًا قويًا شرع بصورة فعلية في التأسيس للتغيير عبر فعل نضالي قوي بات يفرض نفسه في الساحة الموريتانية.

أما النخب الوطنية الأهلية فقد وقفت عاجزة لحد الساعة عن بلورة حلول كلية أو جزئية لإعادة صياغة الحياة الاجتماعية وفق أسس سليمة تلبي ولو بقدر يسير متطلبات التحولات الجارية بما يحقق الإصلاح والبناء التراكمي الهادف فدور النخب في قيادة التحولات يبقى مؤثرًا مهما سجّل من نقد وتحفظ على دور التيارات الفكرية في الواقع الراهن حسب ما يعبّر العديد من المتابعين.

التحشيد ومساراته

يعاني مئات الآلاف من أبناء الطبقات المهمشة في موريتانيا من فقر وحرمان بات يغذي التمرد على مخلفات الماضي التي تخضع في هذه اللحظة لمساءلة ومحاكمة غير مسبوقة؛ فقد حفل ماضي المجتمع الموريتاني بالقسوة والجفاف، وورثت الدولة الحديثة تركيبة اجتماعية هشة وغير متجانسة ولم تُولِ الأنظمة المتعاقبة العدالةَ الاجتماعيةَ ما تستحق من عناية. وما كادت عقود الاستقلال الأولى تتوارى حتى انحرف الحكم العسكري بالبلاد نحو الإثراء الفاحش الناتج عن الفساد وتوقفت التنمية بشكل شبه كامل وبدأت جاهزية فئات بعينها تستثمر هذا الانهيار مما قوّض أركان فرص بناء مجتمع متجانس يتساوى في الحقوق والواجبات، وقد أيقظت هذه الاختلالات سلبيات الماضي ومخلفاته التي بدأت تنبعث محدثة شروخًا قوية في البنية الاجتماعية.

ومع التحولات الحالية التي يقودها الأرقّاء والسابقون ومن يلحق بهم من فئات عرفت التهميش والظلم يبدو الآن أن مرحلة التحشيد التي انطلقت منذ عقود وعرف منحناها تذبذبًا في الصعود والهبوط بلغ في السنوات الأخيرة مراحل متقدمة من التهيئة للفعل التاريخي المؤثر الذي وصل في مراحل متأخرة إلى الانسياق بسهولة ويسر في أحد مسارين: المسار التصادمي بما يمكن أن يقود إليه من تمزيق وتشتيت وفتن أو المسار التراكمي بما يؤدي إليه في صيغته الإيجابية من تطوير التراكم وتعزيز عناصر القوة والالتحام الاجتماعي عبر بناء آليات استيعاب تُمَكِّنُ المجتمع والدولة من النجاح في بناء نموذج إيجابي يحقق العدالة الاجتماعية ويُؤَسِّسُ لأن تكون هذه التحولات عامل تطوير ونهضة وتقدم تجدد من خلالهما الدولة دورة الإنتاجية بوصفها تنظيمًا حيويًا يتطور ويسير مع الحياة بتناغم وانسجام.

غير أن الأمل في مستقبل اندماجي للمحرومين لا يجد بوادر مشجعة حتى الآن في مسار الأداء العام لأجهزة الدولة ونخب المجتمع بينما يتطور المسار التصادمي ويتحفز نحو صناعة التحول التاريخي؛ فالحشد الحركي والحقوقي الجاري الآن على صعيد الفئات المحرومة يتحول بسرعة إلى مشروع جديد يحمل في طياته فناء البنى التي كانت سائدة قبله طبقًا لسنة التدافع والتداول الأزلية.

والمجتمع الموريتاني يختزن في تجاربه التاريخية والحديثة على السواء عللاً وأمراضًا مزمنة ينوء بحملها كاهل الدولة الحديثة وتنظيماتها وأجهزتها وما تفرع عن ذلك من تنظيمات ونخب توجهات فكرية. ورغم التحولات التي مرت بها الحياة الاجتماعية في القرن الماضي إلا أن السنوات الأخيرة عرفت تسارعًا كبيرًا لبروز النزعات الفئوية والعرقية بشكل بات ينذر بتحولات قادمة تتطلب إعادة النظر في منهجية التعامل معها فهمًا وتنزيلاً وتشخيصًا وتحليلاً.

تشخيص التحول

إن التحولات الاجتماعية تعتمل في عمق المجتمع وتسري عللها وتتسرب في الجسم الاجتماعي في هدوء وتراكم حتى تصل للحظة الفوران فالانفجار ولا ينتبه كثيرون لطبيعة التحولات الاجتماعية وينظرون باستمرار إلى الأحداث بشكل منفصل دون الانتباه لاتصالها وترابطها بما يؤدي لإنتاج وصناعة تحولات اجتماعية عديدة قد لا يكون بعضها بريئًا تمامًا من توجيه القوى المؤثرة عالميًا بيدها الخفية محليًا وإقليميًا.

يمكن أن نتخيل حركة الاجتماع تسري باستمرار طبقًا للوصف القرآني لحركة الجبال “وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مَرّ السحاب”، وفي السنوات الأخيرة اتضح أن العديد من المتغيرات التي يحسبها كثير من الناس جزئية التأثير قد تركت بصمات قوية على الحياة بأبعادها المختلفة خصوصًا فيما يتعلق بالتغييرات الجوهرية التي تأتي مباغتة بصورة مذهلة ومفاجئة مما يجعـل رصد النخب الموريتانية للزلازل الاجتماعية ضعيفًا جدًا. وكثيرًا ما وضعت الأحداث والتحولات الراهنة العديد من الفاعلين تحت هول الصدمة وفعلت بهم فعلها دون أن يكون لهم فعل يستشرف ويرصد ويتكيف بسرعة مع الصدمة ويتجاوزها محاولاً استثمار الحدث ذاته والتحكم في نتائجه وتوجيه مساره لما يخدم البلاد والعباد ويتجافى المخاطر المحتملة خصوصًا فيما يتعلق بالحفاظ على السلم الأهلي.

حراك الأرقاء

بدأت منذ الأربعينات ظاهرة نزوع الأرقاء لتحرير أنفسهم في موريتانيا نتيجة عوامل سوسيولوجية واقتصادية صرفة لا أثر للخطاب السياسي فيها. وربما يكون الأرقاء في موريتانيا قد تأثروا بظاهرة “جامبور” السنغالية عندما توقفت غارات البدو الرحل المنحدرين من أصول حسانية بعدما أحكمت الإدارة الفرنسية سيطرتها على البلاد بشكل نهائي مطلع أربعينات القرن العشرين وعندها بدأت ظاهرة “قرى آدوابه”، وهي تجمعات سكانية عشوائية لتجمعات الأرقاء السابقين الذين حصلوا على حريتهم من مستعبديهم “العرب” أو “البيضان” الذين كانوا يشكّلون أهم فئة اجتماعية تمارس السلطة في بعديها الزمني والروحي في المجتمع الموريتاني. وقد ساهم وجود الإدارة الاستعمارية الغربية في الثلاثينات والأربعينات في تشجيع هروب العبيد مع أن تاريخ هذه الظاهرة لا يزال بحاجة لدراسة تأخذ بعين الاعتبار السياق والنسق الاجتماعي الذي وُلدت فيه الظاهرة وتستنطق الوثائق الفرنسية والفقهية التي أنتجها فقهاء تلك الحقبة لإعادة كتابة تاريخ فئات مهمة وتحولات كبيرة في تاريخ المجتمع الموريتاني لا تزال منسية أو مهملة(1).

ومع نهاية السبعينات بدأ حراك الأرقاء السابقين يأخذ شكل حركة سياسية مطلبية قوية تأثرت إلى حد كبير بالفكر اليساري وتطورت لاحقًا لتأخذ بُعدًا أيديولوجيًا يساريًا قوميًا مال حينًا مع حركة اليسار القومي الزنجي وتأثر بها وتفرع لاحقًا ليتأثر باليسار القومي العربي بشقيه الناصري والبعثي وإن استقلت الحركة لاحقًا مطالبة بحزب سياسي خاص بها فتحالفت خلال منتصف التسعينات مع قيادات زنجية حيث قاد الزعيم التاريخي للحركة مسعود ولد بلخير حزب العمل من أجل التغيير (AC) الذي شكّل مشروعًا مشتركًا مع الزعيم الزنجي إبراهيما مختار صار ورفاقه غير أن الحزب تم حله لاحقًا، وفي العام 2000 دخل مسعود مجددًا حزب التيار الناصري التحالف الشعبي التقدمي الذي يقوده الآن والذي يُعتبر أكبر واجهة سياسية لحركة الحر التنظيم السري التاريخي الذي ناضل سياسيو الأرقاء السابقين (أو الحراطين) من خلاله للحصول على حقوقهم السياسية والاقتصادية(2).

مع مطلع الثمانينات ألغت الدولة الموريتانية بموجب مرسوم رئاسي ممارسة الاستعباد إثر إعادة الأرقاء السابقين تفعيل نشاط حركة الحر السرية، وفي سياق موجة جفاف قوية ومجاعة وتحول عاصف من نمط العيش في القرى والأرياف أدت إلى انتفاض الحراطين و”آدوابه” (أي: القرى والتجمعات السكنية للحراطين) إلى الزحف نحو المدن ومع بديات الحكم العسكري للبلاد.

طالبت حركات ومنظمات تحرير الأرقاء السابقين في موريتانيا بثلاثة مطالب رئيسية:

  1. تحرير الرقيق من خلال وضع حد لممارسات الاسترقاق السارية في المجتمع الموريتاني نتيجة اختلاطها بالتقاليد وتداخل أنماط الإنتاج الاقتصادي مع التقاليد الاجتماعية وتعاليم الدين الإسلامي.
  2. تمكين العبيد أو الأرقاء السابقين من حقوقهم الاقتصادية من خلال إصدار قانون للإصلاح العقاري يرفع القيود الإقطاعية التي يضعها الأسياد على الأرقاء من خلال ادعائهم لملكية الأرض أو من خلال ادعائهم استحقاق أخذ أموال الأرقاء وما ينتجونه تمسكًا بالمبدأ الفقهي “مال العبد لسيده”.
  3. وضع حد لآثار الاسترقاق ومخلفاته المستمرة، وإنهاء التقاليد الاجتماعية التي تؤسس في مفاهيمها الميتولوجية للتمييز بين مواطني الدولة الواحدة نتيجة الإرث التاريخي وما يمليه من محمولات، ووضع عقوبات قانونية للعوامل الدعائية التي تغذي استمرار الظاهرة ومعاقبة الجرائم والجنح النتاتجة عن هذه الممارسة(3).

وقد تباطأت الدولة بشكل كبير في سنّ قوانين تجرّم الظاهرة، وظلت الحكومات المتعاقبة تنكر استمرار وجود الظاهرة وتعتبر أن ما هو موجود هو مخلفات الماضي فقط وتراهن على أنه سيختفي مع الزمن.

غير أن الحكومة الموريتانية بقيادة الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله أصدرت قانونًا لتجريم الظاهرة في عام 2007 وتم وضع عقوبات واضحة في القانون في محاولة لتقويض الثقافة التقليدية المؤسسة للظاهرة والمغذية لاستمرارها غير أن كل هذه الجهود لم تأت إلا بعد  تبلور حراك الأرقاء السابقين في السنوات الأخيرة.

ويرى بعض متتبعي الظاهرة أن ثمة أيادي خفية تلعب بهذا الملف؛ وهو ما يتضح -حسب هذا الرأي- من كون حراك الأرقاء السابقين أخذ دينامية متسارعة خلال السنوات الأخيرة تجاوزت بكثير العديد من الملفات الحقوقية الأكثر إثارة رغم أن قضية الرق ظاهرة إفريقية ولم تستدع في مجتمعات إفريقية عديدة ما تستدعيه في موريتانيا التي استُهدفت نتيجة موقعها المؤثر في الخريطة الدينية لبلدان إفريقيا الغربية حيث تشكل المنبع الصافي لانتشار وتجدد الإسلام في هذه المنطقة مما جعلها تحظى بتركيز خاص دون البقية.

يرى العديد من المتتبعين أن واقع الأرقاء وواقع كثيرين غيرهم من أبناء موريتانيا يتطلب إعادة النظر في صميم المنظومة التربوية ومخرجاتها ومسار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وما تتطلبه العدالة الاجتماعية وموقعها من اهتمام النخب الوطنية الساعية لقيادة التحولات والتصدي للشؤون العامة فلم يعد من المعقول ولا من المقبول أن يُخضِع الشخصُ جسمَه لعملية بتر لأن الجسم لا يستغني عن جزء منه ولا يستسلم لجزار يقطعه إلا إذا فقد الحياة تمامًا.

ويخشى الكثيرون من نشطاء النخب الموريتانية أن يستمر الصمت عن خرق السفينة من طرف السلطة، وبالتالي الدولة والمجتمع وأطراف التطرف في الحراك حتى تفعل التصرفات الحمقاء فعلها الأرعن ولات حين مناص.

ولا يخفى أن الاستجابة التي تقدمها السلطة الحالية، من خلال القوانين المجرّمة للاسترقاق ومفوضية محاربة مخلفات الرّق والتي تحولت إلى أداة بيروقراطية لحشد الدعم السياسي في “آدوابه”، للمشاغل الآنية للنظام تؤكد حقيقة واحدة وهي أن التحول فرض نفسه وبات يقنع الجميع ولكن النخب والمجتمع انشغلوا بعلاج مظاهر وجزئيات ظرفية لا شأن لها بالتحكم في تدفق المسار ووجهته وما سيفرزه من نتائج قادمة(4).

حراك لمعلمين

وعلى نفس المنوال انطلق منذ العام 2011 حراك “لَمْعَلْمِينْ” مترسمًا الخطى النضالية للأرقاء السابقين ومحاولاً إيقاظ الذاكرة لدى فئات وشرائح أخرى عديدة. حراك توجست منه الحركات الحقوقية خوفًا من أن يكون محركًا لأغراض سياسية ليتضح لاحقًا أن البعد الذاتي والموضوعي يطغى على هذا الفعل الحقوقي الجديد المنذر بتحولات واسعة ومؤثرة.
ومُصطلح “لَمْعَلْمِينْ” يُطلَق على شريحة واسعة في المجتمع الموريتاني لا ترجع لأصل عرقي واحد وإن وحّدهم أداء وظيفة الصناعة التقليدية في المجتمع الموريتاني منذ قرون. ويشتكي أبناء هذه الشريحة من تهميش مستحكم رغم ما تزخر به من عطاء تاريخي حيث نهض “لمعلم” تاريخيًا بوظيفته وشارك بشكل كبير في حمل وأداء الرسالة الثقافية للمجتمع الموريتاني عبر العصور.

غير أن الثقافة الاجتماعية في البلاد حملت معها في الذاكرة الشعبية العديد من العوائق التي حالت في الماضي والحاضر دون ذوبان هذه الشريحة بشكل كامل في المجتمع؛ وتبعًا لذلك باتت تلك المحمولات التاريخية عائقًا دون المساواة واكتساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الدولة والمجتمع المتجدد في بعده السلبي العائق لانطلاق حياة تطبعها المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص(5).

خلال سنوات قلية تطور نشاط “لمعلمين” الحقوقي واتجه لتعويض نقص الحضور الثقافي الحِجاجي الذي يناقش ويُسائِلُ العديد من الأطروحات الاجتماعية التي ترتكز عليها آليات حماية “الوضع الطبقي” المستقر منذ قرون سحيقة في موريتانيا.

إن حراك لمعلمين شكّل إضافة نوعية لحراك الأرقاء بما يتوفر عليه من قدرات الطرح الفكري والثقافي لأن هذه الفئة اشتركت مع حملة اللوح والقلم في البلاد في امتلاك أدوات الفتوة البيانية وإن منعها وضعها الطبقي باستمرار من امتلاك قيادة الفعل الثقافي لأنها اقتصرت دائمًا على الهيمنة على الإفتاء ولم تتصدر لقيادة القضاء والفتوى والطريقة الصوفية نظرًا لتحكم التقاليد الاجتماعية التقليدية المتوارثة. ومنذ عصور حيث ظلت مدارس تخريج الفقهاء والمفتين أهم مركز للتأثير القيادي في المجتمع الموريتاني ونفس الوضع تقريبًا تأخذه الطرق. وفي القرنين الأخيرين بلغت هذه الجوانب شأوًا بعيدًا وتداخلت تداخلاً كبيرًا مما حال دون تسلق الفتى المبرز “لمعلم” مركز القيادة والتوجيه مع أن كثيرين منهم أحرزوا ملكات فقهية وسلكوا طريقة القوم وكان حضورهم على مستوى مدارس استظهار القرآن بارزًا في المجتمع الموريتاني بل إنهم أحرزوا الصدارة في حفظ النص القرآني وآلياته، إلا أن هذا الحضور القوي “للمعلمين” لم يشكّل لهم ميزة مدرسية قيادية كما هي حال الفقه ومنزلة الفتوى والقضاء منه على وجه التحديد أو الطريقة الصوفية لما تمثله هذه المواقع الفكرية والتوجيهية من تأثير قيادي بارز. أضف إلى ذلك عوامل الوضع القبلي وما يفرضه من قيود كانت معوقة للتصدر القيادي لهذه الفئة وليس ذلك ناتجًا عن قصور بل إن بعض هؤلاء تجاوز في حذقه وذكائه الكثير من أبناء البيوتات العلمية العريقة رغم ظروفه الصعبة المعوقة للتحصيل العلمي.

ولا يستنكف البعض من الاعتراف بحقيقة وجود تراتبية اجتماعية عُرفية (غير مقننة) في تاريخنا؛ فهذا أمر مستقر ومسلّم ولكنه يستدرك أنه قد يكون من الظلم أيضًا استسهال إخضاع الطبقية الموريتانية للنماذج التفسيرية المنتزعة من مصطلحات الواقع الجديد للحياة الغربية المعاصرة، والتي نُقلت عن منهجيات أخرى ومجتمعات أخرى، ففي ذلك أخطاء منهجية عديدة وظلم تاريخي لن ترحمه الأجيال اللاحقة حينما تكتشف دونية الأسلوب المتبع لدى البعض الآن في إثارة هذه القضايا والمنهجية المتبعة لعلاجها. نعم قد يكون ثمة حق ولكن بعد انقشاع غبار الأنانية والشخصنة سيتضح أن عملية النضال لانتزاع الحق قد وقعت في أخطاء فادحة بحق الأجيال السابقة نتيجة إخضاع مفاهيمها ورؤيتها لآليات تفسيرية جديدة منتزعة من سياق اجتماعي ومنهجي آخر وفق آليات ورؤى مغايرة مع تفهّم ما في الأثر من أن “لصاحب الحق مقالاً”(6).

تدوير جديد

لا يُخفي البعض قلقه من إمكانية استغلال القوى الأجنبية للحراك الاجتماعي والحقوقي لتوجيه ضربات لخصوصية المجتمع الموريتاني الدينية والحضارية خصوصًا وأن موريتانيا تخضع باستمرار لتركيز آليات المنظمات الغربية التي ترى في الأنثروبولوجيا الاجتماعية في موريتانيا ما يثير فضولها وترى فيها من ناحية التراتبية الاجتماعية تحفة وعيّنة يجري الآن فحصها لتجريب العديد من الرؤى الفكرية والأيديولوجية المدفوعة من جوانب عديدة بدوافع مختلفة وليس أقلها أهمية المعطى الاقتصادي لثروات الصحراء التي يجري العمل في هذه الظروف على تكيف الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي فيها مع متطلبات استغلالها وخصوصًا بالنسبة للدول الكبرى؛ لذلك تهتم هذه الدول بإعادة صياغة النسيج الاجتماعي وصولاً للتحكم في إعادة نسج النخب السياسية وإعادة صياغة المؤسسات بما يخدم سيطرتها وتحكمها في توجيه التحولات الاجتماعية الجارية.

لقد تعودت فرنسا منذ منتصف القرن التاسع عشر أن تعيد باستمرار تدوير وصياغة الحياة الاجتماعية في غرب إفريقيا بما يخدم مصالحها وهي الآن من خلال احتلالها لمالي ووسط إفريقيا تعيد إحياء مشروعها الاستعماري الكلاسيكي ولكن بأدوات جديدة وأوعية جديدة متعددة الأوجه والأدوات، وتبدو شرائح اجتماعية معينة في موريتانيا أكثر رشاقة وأقدر من حيث اللياقة على الاستجابة لوظائف قيادة التحولات الجديدة؛ فمنذ ثلاثينات القرن التاسع عشر رأى الفرنسيون في بعض “الزوايا” خصائص حليف ناجح يناسب تحديات تلك المرحلة ونظروا إلى التكاثر السريع لفصائل “الولوف” فشكّلوا منهم طلائعهم وستائر جيشهم وبيضتهم العسكرية والأمنية، ونهضت استراتيجيتهم لهذا العهد فقضمت وأخضعت كل أشكال القوة المارقة على إرادتهم في الإقليم ووطدت أركان سلطانهم وعبّروا باستمرار عن تبرمهم من إصرار الشعب الموريتاني على خصوصيته الثقافية والحضارية ولاحت لهم دائمًا مقاومته الثقافية عائقًا دون بسط نفوذهم المستقر في هذه البلاد.

ومنذ ستينات القرن العشرين رأى الفرنسيون في إحداث شرخ بين الشريحتين الأبرز في موريتانيا وسيلة للتحكم والتوجيه واستمرار الوجود الثقافي، وتبعًا لذلك امتداد النفوذ والحضور الفاعل في توجيه سياسات الدولة والأنظمة المتعاقبة ولكننا الآن أمام دور غربي جديد (فرنسي+أميركي) عبّر عن نفسه في مناسبات مختلفة ويسعى باستمرار لإعادة صياغة حضوره وتجديد آلياته وتغيير تحالفاته وإجراء مراجعات لإعادة بناء ذاته في ظل التغييرات والتحولات الجارية.

قد يقول قائل: إن الأطراف الدولية لها حضورها المستمر وهي تحرك باستمرار أياديها الخفية وتصنع مواقف الأنظمة والدول وتستقطب الأطراف في تحالفاتها وهذا ما لا يمكن لأي من أطراف الحراك أن يتفاداه ولكن يمكنه أن يكون يقظًا حتى لا يتم توظيفه بدون وعي وحتى لا تخرج بوصلة الحراك من يده ليوظفها الآخرون لما يخدم أهدافهم وتوجهاتهم الراهنة والمستقبلية.

مقاربة المدافعة

ما دامت مسارات هذه التحولات متلازمة ومتكاملة وإن انفصل بعضها عن بعض في الشكل إلا أن الدولة الموريتانية ونخبها الوطنية تبقى مطالبة بالعمل على تخفيف وقع المسار التصادمي ومنع توظيفه لضرب الأسس والمرتكزات والثوابت التي تقوم عليها الحياة الوطنية منذ قرون خصوصًا فيما يخص الثوابت الحضارية للأمة.

 فلم يعد خافيًا أن السياق الجاري الآن مفتوح على احتمالات العبث به للنيل من  الإرث الحضاري للأمة بوصفه “تابو” يعوق التطور ويناقض التقدم وهي أطروحة قديمة إلا أن أساليبها تتجدد والهجمة الأخيرة على المقدسات تندرج في هذا السياق وتدلل عليه بشكل لا لبس فيه(7).

إن قيادة التحولات وتوجيهها من الداخل فعل مؤثر جدًا إن وجد الآليات والمداخل المناسبة ولكنه خطير جدًا وذو أثر سلبي في حال ما إذا تعدد الشركاء وسعاة التأثير.

تداخل المسارين

تداخل المسارين: التراكمي والتصادمي، في لحظات قادمة من مسار التحولات قد يشكّل خطرًا يهدد في لحظة قادمة السلم الأهلي في ظل استمرار حدة الفوارق بين الفئات الاجتماعية والانفجار السكاني المستمر والذي تميل مؤشراته لصالح الأرقاء السابقين والفئات المهمشة الأخرى خلال العقود القليلة القادمة. ونجد الآن أن ميزان القوة في التحول الاجتماعي بدأت مؤشراته الجزئية المنتزعة من واقع الحياة التفصيلية تميل لصالح الشرائح المهمشة من خلال تعزيز حضورها في المهن والمقاولات الصغيرة وزحفها على التعليم العمومي ودخولها للجيش والشرطة ووظائف الإدارة التي يأنف منها أبناء الطبقات الأخرى الساعون لمراكز أخرى أكثر امتيازًا في المنظور الاجتماعي الظرفي.

ولا يستبعد العديدون ممن يهمهم استشراف المستقبل أن تؤدي حالة الصلف والتجمد لدى صنّاع القرار في الدولة والمجتمع إلى تجذر الفوارق الطبقية في بُعدها الاقتصادي العام بين الأغنياء والفقراء من جهة وفي بعدها الصراعي الحقوقي من جهة ثانية مما سيسرّع بشكل كبير نجاح التحولات الاجتماعية الساعية لقلب المجتمع التقليدي رأسًا على عقب.

ومن الراجح أن تؤدي الصيرورة التاريخية براهن تحولاتها الجارية مع الربع الأول من القرن الحادي والعشرين إلى اكتمال التحول والانصهار في بوتقة مجتمع أقل صرامة طبقية ويمكن أن تقود التحولات السياسية إلى اختزال ذلك خلال سنوات قليلة.

ويبقى من الوارد جدًا أن تُستخدم قنبلة المسار التصادمي لضرب مشاريع التحولات السياسية التي لا يرضى عنها الفاعلون المتأثرون بالتيار الفرانكفوني في موريتانيا إذا مالت كفة التحول لصالح التيارات الأكثر ميلاً لصناعة التحول عبر المسار التراكمي مع إدخال تعديلات تميز إيجابي لصالح الطبقات المهمشة وهو ما لا يُرضي التيارات الساعية للدفع بالصراع نحو آفاق انفجارية تحطم كل الأسس الاجتماعية التي تسعى للتحول اجتماعي آمن يحقق استجابة لمطالب الفئات المهمشة من جهة ويحفظ السلم الأهلي من جهة أخرى.
_____________________________________
محمد الحافظ الغابد- إعلامي وباحث موريتاني

الهوامش
1. انظر بهذا الخصوص: اسلم ولد عبد القادر ورقة بعنوان: برنامج اتقاء حل النزاعات العقارية بين المجموعات في موريتانيا، صادر عن منظمة نجدة العبيد SOS-ESCLAVES، وملتقى منظمات حقوق الإنسان في موريتانيا، ص16.
2. يرفض ولد بلخير بشكل قاطع استمرار البنية التنظيمية لحركة الحر بشكل يوازي الحزب بينما يصر رفاقه على استمرار الحر إطارًا نضاليًا تشاوريًا موازيًا للحزب.
3. يمكن الرجوع بهذا الخصوص لخطاب مسعود ولد بلخير في مؤتمر ديربان لمكافحة العنصرية أغسطس/آب 2001، كما يشكّل هاجس الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية ودولة العدل والمساواة ثوابت في خطاب الرجل وحواراته السياسية.
4. يمكن الرجوع بهذا الخصوص لورقة ميثاق الحراطين التي شكّلت رؤية لمعالجة أشكال الرق في المجتمع الموريتاني وحظيت خلال الأشهر الأخيرة بتأييد الأحزاب والوسط النقابي والحقوقي بشكل شبه كامل على الرابط:
http://souhoufi.com/article8478.html.
5. انظر بهذا الخصوص: وثيقة حراك لمعلمين نشرها موقع صحيفة السفير اليومية على الرابط:
http://www.essevir.mr/index.php/f/10471-qq-.html
6. يمكن الاستئناس في هذا السياق بكتاب: ميراث السيبة، لمحفوظ ولد مناه؛ فقد قدّم ملاحظات مفيدة عن تدافع الفئات والطبقات الاجتماعية في موريتانيا على ضوء التحولات الجديدة.
7. الأحداث والاحتجاجات التي أعقبت مقال ولد امخيطير وحادثة تدنيس المصحف كلها نموذج لسياق التدافع الاجتماعي المحرّك من جهات لم تُحدّد ولم تُعرَف بشكل دقيق ولكنها تكفي للدلالة على وجود أيادٍ خفية تشتغل على مشروع من نوع ما لتوجه التحولات الاجتماعية لما يحقق أهدفها.

Start typing and press Enter to search

Shopping Cart