دراسة في نجاحات وإخفاقات التعبئة البيئية في لبنان

دراسة في نجاحات وإخفاقات التعبئة البيئية في لبنان

مقدمة

“لقد انتصر الشعب أخيراً”. بهذه الكلمات، احتفل كاتب لبناني شاب في خريف عام 2020 بإعلان البنك الدولي تعليق قرض للدولة اللبنانية لبناء سد في مرج بسري في لبنان.1 فبدون القرض الذي تبلغ قيمته 244 مليون دولار، لم يكن بالإمكان المضي قدماً في مشروع السد المثير للجدل، واستطاعت حملة “أنقذوا مرج بسري” في لبنان أن تعلن النصر. وقد أعلن منسّق الحملة رولان نصّور عن “فصل جديد لحماة الأنهار في جميع أنحاء العالم”؛ فقد أثبتت الحملة “للبنك الدولي أنه لا يمكنهم الادعاء بالالتزام بتخفيف آثار تغير المناخ، وممارسة التنمية المستدامة، وتطوير المشاريع التشاركية، وفي الوقت نفسه الاستثمار في مشاريع عملاقة مثل سد بسري”، وأثبتت أيضاً “ما يمكن تحقيقه باستخدام قوة وزخم المجتمع المدني المنظم بشكل جيد”.2

شكلت حملة “أنقذوا مرج بسري” انتصاراً نادراً ليس فقط من أجل حماية البيئة، بل لكافة جهود النشاط المدني (الناشطية) في لبنان. فقبل بسري، لاقت مخططات تشييد السدود الكثير من المعارضة نظراً إلى آثارها الاجتماعية والبيئية الجسيمة، من بلعا إلى وادي بريصا وشبروح وجنة والقيسماني والمسيلحة، بيد أنها لم تُعطل. أما بسري، فقد تزامن مخطط تشييده مع الثورة اللبنانية في 2019، وهي أكبر الاحتجاجات التي شهدتها لبنان حتى الآن ضد الأوليغارشية، أصبح مرج بسري رمزاً للأمل ومثالاً على كيف يُمكن للمظالم البيئية، بعيداً عن كونها محلية أو مقتصرة على بيئة معينة، أن تجسد السخط الواسع النطاق على الوضع الراهن.

بعد مرور ثلاث سنوات من إعلان حملة “أنقذوا مرج بسري” انتصارها، في خضم انهيار اقتصادي مستمر وقاسي وأضحى وضعاً يتطبع على نحو متزايد، لا يزال بعض الناشطين البيئيين يشيرون إلى بسري بوصفه مثالاً بارزاً لا يُنسى على النشاط المدني البيئي الناجح.3 ولكن آخرين ليسوا على هذا القدر من اليقين، متسائلين: هل كان بسري حقاً ناجحاً، أم أنه مجرد توقف مؤقت في سعي الأوليغارشية الدؤوب لتحقيق الربح على حساب الطبيعة؟4 هل كان البنك الدولي سيلغي القرض لو أن لبنان لم يتخلف عن سداد ديونه الخارجية في آذار/مارس من العام نفسه؟ هل يمكن اتهامنا بإضفاء طابع رومانسي على ممارسات النشاط المدني؟

قد تعكس مثل هذه التساؤلات حالة التشاؤم الشائع الذي يخيم على هذه اللحظة القاتمة في مسار لبنان، في ظل الانهيار الاقتصادي المروع والخسائر النفسية (وبالنسبة للبعض أيضاً الجسدية( الناتجة عن الانفجار الهائل الذي هز بيروت في 4 آب/أغسطس 2020.  أو بدلاً من ذلك، نستطيع أن نلقي باللائمة على الشعور بـ “الفشل في الأفق” الذي ينتاب الناشطين في فترات التوقف بين موجات المواجهة مع النظام.5 ومع ذلك، تكشف هذه الشكوك حول حملة “أنقذوا مرج بسري” أيضاً تحدياً مفاهيمياً للناشطين: كيف يبدو نجاح/فشل أنشطة حماية البيئة في لبنان؟

بالنظر إلى المشهد الأوسع، بعيداً عن مرج بسري ولكن مع العودة إليه بينَ الفَيْنة والأخرى، تقدم هذه الدراسة تحليلاً للاقتصاد السياسي الكامن وراء تدهور البيئة في لبنان، والأشكال المتنوعة من ممارسات حماية البيئة التي حاولت التصدي إليه، والمقاومة العنيفة من المستفيدين من هذا الانهيار البيئي. واستناداً إلى هذا التحليل، نطرح تساؤلات حول المفاهيم السائدة عن النجاح والفشل في مجال حماية البيئة في لبنان. ونختتم بالتعمق في دور إنتاج المعرفة في النضال من أجل البيئة.

وفيما يتعلق بالمصادر وطريقة البحث، تتناول هذه الدراسة المؤلفات المتعلقة بالحركات الاجتماعية وحماية البيئة، والبحوث الحالية حول التدهور البيئي في لبنان، والروايات الأصلية المكتوبة والشفوية التي يقدمها دعاة حماية البيئة اللبنانيون، بالإضافة إلى المقابلات التي أجرتها المؤلفة مع الناشطين والملاحظات التي سجلتها بوصفها مشاركة في الاجتماعات الخاصة والعامة التي يعقدها دعاة حماية البيئة. تنخرط هذه الدراسة في النشاط المدني، وهو العمل المدني الذي يسعى إلى تحقيق التغيير، سواء في المؤسسات أو القوانين أو السياسات أو السلوكيات. وتستبعد الاستراتيجيات غير الرسمية اليومية والعلاقات الاجتماعية التي يستخدمها السكان من مختلف الطبقات في الاستجابة للإهمال البيئي والأضرار التي تترتب عليه – وهو ما تطلق عليه عالمة الجغرافيا نورا وهبي “حماية البيئة من القاعدة”.6 وعلى الرغم من أنها بلا شك تمثل شكلاً حاسماً من أشكال النزاع تستخدمه المجتمعات لإعادة تأكيد علاقتها بالطبيعة، والمقاومة وإيجاد البدائل، فإن مناقشة مفهوم “حماية البيئة من القاعدة” ليست المقصد من هذه الدراسة.

الاقتصاد السياسي الكامن وراء الأضرار البيئية في لبنان

تمثل الطبيعة، في الاقتصاد السياسي للبنان، موقعاً للنهب المباشر والاستخراج. فالقلة الحاكمة “الأوليغارشية” التي تتصرف دون عقاب، وهي الجهات الفاعلة التي تمتلك شخصياً تجمعات هائلة من الموارد المادية، اجتاحت سواحل البلاد لأغراض التطوير الخاصة والاستثمار ودمرت الجبال من خلال استغلال المقالع بصورة غير منظمة وغير قانونية لإنتاج الأسمنت المربح.7 بالإضافة إلى تحويل الأنظمة البيئية إلى سلعة مباشرة، تسبب الاقتصاد السياسي في لبنان في مرحلة ما بعد الحرب في أضرار بيئية بطريقة غير مباشرة، وإن لم تكن أقل ضرراً، من خلال منطق المُوالاَة والمحسوبية الذي يتسم به النظام الحالي ويدعمه. كما يوضح هانز باومان:

يدير لبنان عصابة من النخبة الطائفية. يعتمد حكمهم المستمر وقدرتهم على تقديم الخدمات لـ “مجتمعهم” في عملية المساومة الطائفية على سيطرتهم على موارد المُوالَاة، والتي يعيدون توزيعها من خلال المحسوبية الطائفية. وبالتالي فإن قوة عصابة النخبة الطائفية في لبنان تعتمد على الاقتصاد السياسي الذي يركز الثروة في أيدي النخبة الاقتصادية والسياسية، التي تعيد توزيع جزء صغير من هذه الموارد على أساس المُوالَاة.8

تتجلى الكيفية التي تتسبب بها شبكات المُوالاة والمحسوبية في إلحاق الأضرار البيئية في لبنان بوضوح أكبر في الطرق التي تعمل (أو لا تعمل) بها البنية التحتية الحيوية في مختلف أنحاء البلاد. تهدف مجموعة البُنى التحتية المختلفة – مثل تلك التي تدير النفايات أو المياه أو الطاقة – إلى خدمة علاقات المُوالاة بدلاً من توفير الموارد الحيوية التي يحتاج إليها السكان للعيش،9 وهذا هو الهدف نفسه الذي يتسبب في تسريع تدهور البنية التحتية البيئية.

تعد إدارة النفايات مثالاً صارخاً على الروابط بين الشبكات السياسية والاقتصادية وفشل البنية التحتية والضرر البيئي. منذ انتهاء الحرب الأهلية، شهدت إدارة النفايات الصلبة أزمة دورية: فقد وقَّعت الحكومة المركزية عقوداً ضخمة وغير تنافسية مع شركة لها انتماءات سياسية لجمع القمامة وإدارتها، وخُصصت مواقع مصبّات النفايات بوصفها تدابير مؤقتة، إلى أن بدأت مصبّات النفايات تمتلئ وأصبحت مكتظة؛ الأمر الذي أثار احتجاجات الناشطين والسكان الذين يعيشون بالقرب من مصبّات النفايات وإغلاق المواقع وتراكم القمامة في الشوارع، وحرق بعض منها في الهواء الطلق، في حين نُقلت معظم النفايات إلى مصبَ نفايات مؤقت آخر. وهكذا تتكرر الدورة. لم تنجح أي من مرافق إدارة النفايات الصلبة التي يبلغ عددها 16 والتي بُنيت بتمويل من الاتحاد الأوروبي (بما يقارب على الأقل 30 مليون يورو) وتحت إشراف مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية في تحقيق هدفها المتمثل في توفير إدارة أفضل للنفايات صديقة للبيئة، وفقاً لمراجعة مستقلة. بل إنها بدلاً من ذلك، “تسببت في مخاطر بيئية وصحية، وأدت إلى إهدار الأموال، وأدى سوء مراقبتها إلى زيادة احتمالات الاحتيال”.10

وبالتوازي مع الأزمة الدائمة في المرافق الرسمية، ينتشر حوالي 950 مكباً مكشوفاً للنفايات غير رسمي في جميع أنحاء البلاد، وفقاً لوزير البيئة ناصر ياسين.11 ويُعد حرق النفايات في الهواء الطلق أمراً عادياً، ويمثل 10% من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في البلاد ويتسبب في أمراض الجهاز التنفسي، والأمراض الجلدية، والسرطان، وأمراض القلب.12 توجد مصبّات النفايات المكشوفة ويحدث حرق النفايات في الهواء الطلق بشكل مفرط في المناطق ذات الدخل المنخفض، ولهذا آثار سلبية على صحة السكان في المحيط المجاور.13 ،   14

يُعزى الخلل الواضح في وظائف البنية التحتية للنفايات إلى الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية محددة. ومن خلال الاستمرار في وصف السياسات بأنها “طارئة” أو “مؤقتة”، يتيح تجديد التعاقدات فرصاً إضافية للإثراء الشخصي والقدرة على التناوب بين المقاولين وشركاء الأعمال.15 فقد حققت شركة سوكلين، وهي الشركة الخاصة التي تعاقدت عام 1994 لجمع ومعالجة معظم النفايات في لبنان، والتي كانت لها علاقات وثيقة مع رئيس الوزراء آنذاك رفيق الحريري، أكثر من 170 مليون دولار سنوياً، أو ما يقرب من 150 دولاراً لكل طن من النفايات، وهو ما يُعد أحد أعلى معدلات الربح في العالم.16   علاوة على ذلك، ترتبط إدارة النفايات أيضاً بالمضاربات العقارية المربحة: مراراً وتكراراً، توغلت مصبَات النفايات التي أُنشئت بشكل غير قانوني على الساحل إلى البحر، مما أدى إلى وجود أرض جديدة للتطوير.17 باختصار، إدارة النفايات في لبنان لا تتعلق بإدارة النفايات. بل هي، كما تقول سينتيا عيسى، “عملية تشمل المقاولين الهندسيين وأمراء الحرب والقلة الحاكمة والمضاربين على الأراضي والمقالع والمسؤولين الحكوميين والمطورين الحضريين والمانحين والمقرضين الدوليين – وكلهم مشاركون في ترتيبات مفيدة للطرفين من شأنها أن تطيل عمر النظام السياسي والاقتصادي اللبناني على حساب الأنظمة الاجتماعية البيئية القائمة”.18

تُدار المياه في لبنان أيضاً من خلال شبكات سياسية اقتصادية لم تفشل في توفير شريان الحياة الحيوي هذا فحسب، بل أيضاً خلفت آثاراً بيئية ضارة في أعقابها. بعد ثلاثة عقود من الإنفاق الكبير على قطاع المياه – على الأقل 2 مليار دولار فقط من عام 1992 إلى عام 2006 – ينتهي المطاف تقريباً بجميع مياه الصرف الصحي والمياه المستعملة في لبنان دون معالجة في المجاري المائية والبحر.19 ومن بين 11 محطة معالجة لمياه الصرف الصحي التي تم بناؤها منذ الحرب الأهلية، تعمل اثنتان دون القدرة الاستيعابية الكاملة، وسبع محطات لا تعمل على الإطلاق لأنها لم تكن أبداً متصلة بشبكات التجميع.20 فضلاً عن أن المعادن الثقيلة والملوثات المسرطنة تُلقى بشكل روتيني في شبكة المياه حيث تدخل السلسلة الغذائية وتهدد الصحة العامة.

أين ذهبت الأموال المخصصة لإصلاح شبكة المياه – بحوالي 3 مليارات دولار من المانحين الدوليين أو 70% من إجمالي التمويل؟ أولاً، استخدمت النخب اللبنانية في مرحلة ما بعد الحرب الأموال لتوظيف أشخاص ينتمون إليها سياسياً يفتقرون إلى المعرفة والمهارات اللازمة، ومنح العقود بطرق تزيد رأسمالهم السياسي وتضاعف قوتهم الاقتصادية.21 ولكنهم أيضاً – خلافاً لتوجيهات علماء المياه والمهندسين وعلماء الجيولوجيا والخبراء البيئيين – أعطوا الأولوية لمشروعات ضخمة باهظة التكلفة مثل بناء السدود على حساب سياسات أقل بروزاً ولكن أكثر ضرورةً: زيادة كفاءة استخدام موارد المياه الجوفية، وبناء البرك الصغيرة لتخزين المياه في المناطق الحضرية، أو إصلاح الشبكات القائمة للحد من فقدان المياه (الذي يصل إلى 50% في بعض المناطق).22 على الرغم من أوجه القصور الموثقة جيداً والأضرار البيئية والاجتماعية،23  احتفظت السدود بـ “مكانتها المثالية” في سياسة المياه الوطنية في لبنان.24 وقد تسارعت وتيرة بناء السدود في عام 2012 مع الإستراتيجية الوطنية لقطاع المياه، والتي شملت بناء 18 سداً جديداً. وفي محاولة لتفسير تفضيل صناع القرار بناء السدود، يشير الباحثون إلى علاقاتهم الوثيقة بشركات البناء ومصانع الإسمنت – فضلاً عن الطريقة التي تسمح بها هذه البنية التحتية لتعزيز سيطرتهم الإقليمية.25

ثالث القطاعات التي توضح كيف يتسبب فشل البنى التحتية الحيوية في التضحية بالصحة البيئية هو ربما الأشهر منها جميعاً: شبكة الكهرباء في لبنان، التي تستنزف 3.8% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان سنوياً خلال العقد الأخير فقط دون تحقيق أي نتائج.26 يُعد قطاع الكهرباء مصدراً رئيسياً للتلوث بطريقة مباشرة: إذ تعتمد شركة الكهرباء اللبنانية المركزية الوحيدة “مؤسسة كهرباء لبنان” على المحطات التي تعمل بزيت الوقود الثقيل، مما يؤدي إلى عواقب بيئية وصحية وخيمة، خصوصاً في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان.27 بيد أن الضرر البيئي الأكبر للقطاع ناتج عن فشل مؤسسة كهرباء لبنان في توفير كهرباء يمكن الاعتماد عليها (أو أي كهرباء على الإطلاق)، مما يجبر أي شخص يستطيع تحمل تكاليفها على الاشتراك في شبكات مولدات الديزل المحلية شديدة التلوث. في عام 2018، كانت مولدات الديزل مسؤولة عن 40% من إجمالي الانبعاثات اللبنانية من الكهرباء و11.4 % من إجمالي الانبعاثات.28

وعلى غرار النفايات والمياه، يرى صناع القرار في لبنان الطاقة في المقام الأول كفرصة أخرى لتحقيق الربح. تُعد مؤسسة كهرباء لبنان مكاناً لفرص العمل التي تعتمد على المحسوبية والتعاقدات وتبادل الخدمات السياسية.29 ونظراً إلى أن الناس مضطرون إلى الاشتراك في شبكات مولدات الديزل الخاصة إذا كانوا يريدون الكهرباء، فإن مليارات الدولارات تنتقل من الأسر إلى العصابات التي تستورد وتوزع وقود الديزل وتتمتع بعلاقات وثيقة مع السياسيين والأحزاب السياسية ومسؤولي البلديات وقوات الأمن.30

في حين تيسر مؤسسات الدولة التي تم السيطرة عليها عمليات التفاوض على مشاريع البنية التحتية بين القادة الطائفيين والمتعاقدين التابعين لهم. أبرز هذه المؤسسات هي مجلس الإنماء والإعمار، وهو وكالة تنمية مستقلة عن الوزارات يسيطر عليها القادة الطائفيون الذين يشرفون على عمليات الشراء غير التنافسية.31

غالباً ما تكون الأضرار البيئية الناجمة عن الاقتصاد السياسي اللبناني واضحة: في الهواء الضبابي المليء بالغبار، وفي الأراضي والمستنقعات المائية المدمرة، والسدود الفارغة، ومصبَات النفايات الممتلئة التي تنبعث منها رائحة كريهة، والقمامة المتراكمة، وحتى في الأنهار التي تتدفق بلونها الأحمر.32 غير أنه ثمة أضرار بيئية أخرى في لبنان غير مرئية، لأن المسؤولين عنها يحاولون إخفاءها بجد. وهذا هو الحال، على سبيل المثال، في قضية براميل النفايات السامة الخطرة المشهورة التي دخلت لبنان عبر إيطاليا قبل 36 عاماً. وحتى يومنا هذا، ما زالت الميليشيات الذين تحولوا إلى ساسة يتسترون على المكان الذي دفنوا فيه النفايات الصناعية السامة بشكل غير قانوني.33

على الرغم من أن الاقتصاد السياسي اللبناني فريد من نوعه في الطرق التي تُنظم من خلالها شبكات المحسوبية والمُوالاة حول أسس الهوية الطائفية (في الغالب)، فإن العديد من الديناميات التي تناولناها حتى الآن ليست فريدة من نوعها. في العديد من الدول التي لا يخضع فيها صانعو القرار للمساءلة، “الوظيفة الفنية لمشاريع البنية التحتية (سواء أكانت تعمل أم لا) تخضع لدورها في خلق وسيلة لتحويل الأموال العامة إلى الأيدي الخاصة”.34 وعلى نحو مماثل، جرى توثيق تفضيل المانحين وصانعي القرار للمشاريع الضخمة على أعمال الصيانة الأقل بريقاً ولكن التي تزداد الحاجة إليها في جميع أنحاء العالم، لدرجة أنه قيل عن ذلك: كما كتب أخيل غوبتا، “إن الصيانة تعمل على استمرار عمل البنية التحتية، وتمنع تدهورها، ولكن يُنظر إلى الصيانة على أنها غير جذابة وغير مثيرة للاهتمام مقارنة بالنشاط الذكوري البطولي المتمثل في الإبداع والبناء”.35 فضلاً عن أن التستر على النفايات السامة ظاهرة عالمية، حيث يتم التخلص منها في البلدان ذات الدخل المنخفض أو في مواقع النزاعات المحتدمة وهو ما يُطلق عليه روب نيكسون “العنف البطيء”، أو التهديدات التدريجية التي تتكشف بعيداً عن الأنظار والتي تهدد صحة الإنسان والبيئة، وغالباً ما يعاني منها الفقراء على نحو غير متكافئ.36

أنواع النشاط البيئي في لبنان

بدأت التصورات والاهتمامات البيئية في تحفّيز العمل المدني والتعبئة الشعبية في لبنان في أواخر الستينيات. فقد استلهم الخبراء اللبنانيون المتعلمون في الغرب النجاح المعاصر الذي حققه أنصار الحفاظ على البيئة في أوروبا وأميركا الشمالية، وأنشأوا مساحات مدنية للدفاع عن حماية البيئة من التوسع العمراني والنمو السكاني والرعي الجائر. وقد سعت أشهر هذه المنظمات، جمعية أصدقاء الطبيعة في لبنان، التي أسسها عالم النبات ريكاردوس الهبر في عام 1972، إلى إيجاد توافق حول هدف الحفاظ على التراث الطبيعي في لبنان، وتجنب الانتماء إلى الأحزاب الطائفية، ولكن أيضاً التكيف والعمل ضمن النظام الطائفي الراهن.37

في الوقت نفسه تقريباً، ظهر نوع مختلف تماماً من حماية البيئة، حمل طابعاً سياسياً وطائفياً بشكل واضح، وركز على الفقراء بدلاً من الطبقة المتوسطة المهنية، وعلى الوصول غير المتكافئ إلى الموارد الطبيعة بدلاً من الحفاظ عليها. استناداً إلى تقاليد النضال اليساري والاحتجاجات المناهضة للاستعمار والدولة، وبقيادة الإمام  الشيعي موسى الصدر، دعت حركة المحرومين في المقام الأول إلى تمثيل أكبر للشيعة في الدولة ووضع حد لحرمانهم الاقتصادي.38 وعلى هذا النحو، لم تشر الحركة إلى البيئة بمعناها المهني. ومع ذلك، كما يُشير كريم مقدسي، فإن الجمع بين المخاوف بشأن عدم المساواة في الوصول إلى المياه والأراضي مع مخاوف أكثر وضوحاً بشأن العدالة الاجتماعية والاقتصادية عكس مفهوم “حماية البيئة للفقراء” الذي شوهد في أجزاء أخرى من العالم.39 اقترحت الحركة مشاريع مفصلة لاستهداف التنمية غير المتكافئة في جنوب لبنان والبقاع، بما في ذلك بناء بنية تحتية للمياه (السدود، وشبكات الري، والخزانات) لزيادة إمدادات المياه، ورفع القيود واحتكار إنتاج التبغ.40 وعلى الرغم من أن الصدر أقام شراكات خارج الطائفة الشيعية – على الأخص مع شخصية دينية أخرى وهو غريغوار حداد، قس أبرشية الذي سيصبح أسقفاً للطائفة الكاثوليكية اليونانية بعد ذلك- “إلا أن واقعية الصدر ورغبته في زيادة التمثيل السياسي للشيعة ضمن النظام السياسي الطائفي في لبنان” حالت دون إقامة شراكة حقيقية لتشكيل حركة وطنية حول العدالة البيئية.41

خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت من عام 1975 إلى عام 1990، وسط أضرار بيئية مدمرة وفي غياب المؤسسات الحكومية، اتخذت معظم أنشطة حماية البيئة شكل ما يسميه مقدسي “حماية البيئة الطارئة”، حيث حاول المواطنون العاديون والمجتمعات المحلية، أحياناً بمساعدة من المنظمات المجتمعية أو الاجتماعية، التعامل مع الكوارث البيئية.42 ومع ذلك، شهدت الحرب أيضاً ما يُطلق عليها كرم كرم بـ “حماية البيئة من القاعدة”، حيث حاول الناشطون من القاعدة الشعبية حماية المواقع الساحلية (مثل لجنة حماية أنفة) أو التنظيم ضد المحاجر (مثل اللجنة اللبنانية للبيئة والتنمية في المتن).43 وخلال الحرب أيضاً، أدار أفراد من دعاة حماية البيئة مخيمات شبابية متعددة الطوائف في المناطق الجبلية النائية، مستلهمين من الاعتقاد بأن الطبيعة يمكن أن تهدئ العداءات وتوحّد الصفوف. ولا تزال الأفكار المتعلقة بقوى التواصل التي تتمتع بها الطبيعة وأنشطة الشباب الموجهة نحو الوحدة قائمة حتى يومنا هذا، وقد أُضفي عليها طابعاً مؤسسياً رسمياً الآن لتصبح منظمات غير حكومية.44

والواقع أن كل أشكال حماية البيئة، باستثناء نوع واحد، وهو حماية البيئة للفقراء، استمرت في لبنان في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية والتي شهدت أيضاً ظهور أشكال جديدة. ومع اندماج الأحزاب السياسية الشيعية بالكامل في الاقتصاد السياسي اللبناني، تم القضاء على مقوّمات العدالة الاجتماعية في الحركة الأولى، ولم تعلن أي حركة جماهيرية طائفية أو غير طائفية عن تبني هذا النوع من الحماية البيئية.

وبدلاً من ذلك، شهدت حقبة ما بعد الحرب خمسة أنواع متميزة من أنشطة حماية البيئة: المنظمات غير الحكومية، والتحالفات المهنية، والمقاومة الشعبية والحملات، والتعبئة الشعبية على المستوى الوطني، والأحزاب الخضراء والحملات الانتخابية. وتختلف هذه الأنواع في شكلها التنظيمي، وإن لم تكن بالضرورة تختلف في القضايا التي تحركها أو في سياق عملها، على النحو المبين أدناه بمزيد من التفصيل.

جدول 1: أنواع أنشطة حماية البيئة في لبنان

مثال (أمثلة) شكل النشاط البيئي
●      حركة المحرومين، 1974 حماية البيئة للفقراء
●      غلق مطمر برج حمود، 1997 حماية البيئة الطارئة
●      جمعية الخط الأخضر، 1991

●      الحركة البيئية اللبنانية

●      المفكرة القانونية

●      جمعية نحن

تحالفات المنظمات غير الحكومية

●      المنتدى الأخضر

●      التجمع اللبناني للبيئة

المنظمات غير الحكومية
●      ائتلاف إدارة النفايات، 2017

●      مبادرة للمدينة، 2013

تحالفات مهنية
●      الحملة الأهلية للحفاظ على دالية الروشة، 2013

●      حملة طلعت ريحتكم، 2015

●      حملة انقذوا مرج بسري، 2018

حملات بيئية
●      الحراك، 2015

●      الثورة، 2019

احتجاجات جماهيرية
●      حركة بيروت مدينتي، 2016، 2022

●      حزب “تقدم”، 2022

●      حزب الخضر اللبناني، 2002

●      حزب البيئة اللبناني، 2005

أحزاب سياسية وحملات انتخابية

المنظمات غير الحكومية المعنية بالبيئة

شهد العقد الأول من حقبة ما بعد الحرب زيادة هائلة في عدد المنظمات غير الحكومية بجميع أنواعها في لبنان، فقد تأسست ما يقرب من 250 منظمة غير حكومية جديدة كل عام، ووصل العدد الإجمالي إلى ما يقرب من 6,000 منظمة.45 وقد توافق هذا الانتشار للمنظمات غير الحكومية مع اتجاه عالمي: فقد شهدت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية (مثل تلك التي انتهجها الحريري كرئيس للوزراء) تراجع الدول عن تقديم الخدمات في حين أصبح التمويل الدولي لعمل المنظمات غير الحكومية متاحاً بسهولة. وازدهرت أنشطة حماية البيئة على وجه التحديد بعد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية الذي انعقد في ريو دي جانيرو في عام 1992 (والمعروف باسم “قمة الأرض” أو  “قمة ريو”)، عندما تضاعفت الشبكات الحقوقية الدولية، وأصبح المانحون الدوليون مهتمين بالقضايا “الخضراء”. وفي منتصف التسعينيات، أصبحت بيروت مقراً لأول مكتب إقليمي لمنظمة غرينبيس في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

أعقبت موجة ثانية من انتشار المنظمات غير الحكومية في لبنان انسحاب القوات السورية عام 2005، الأمر الذي أتاح تخصيص ملايين الدولارات من المساعدات الدولية للمجتمع المدني.46 وبحلول عام 2020، وصل عدد  المنظمات الغير حكومية ذات أهداف بيئية المسجلة في وزارة الداخلية إلى 816، وفقاً لوزارة البيئة.47 انظر الجدول 2 للاطلاع على قائمة القضايا التي تحفز المنظمات غير الحكومية.

وتعمل المنظمات غير الحكومية المعنية بالبيئة بالطريقة نفسها التي تعمل بها المنظمات غير الحكومية الحقوقية الأخرى في لبنان: إذ يعتمد معظمها على التمويل المقدم من المانحين الأوروبيين والأميركيين ويعبر عن خطاب مناصر للحقوق. وهم يطمحون إلى تغيير المجتمع – سعياً إلى تغيير التفضيلات الشعبية وخلق أطر تعبيرية وقيم جديدة، وتحدي السرد السائد، فضلاً عن سعيهم إلى صنع السياسات. ويجتمعون مع صانعي القرار اللبنانيين على مختلف المستويات – رؤساء البلديات والنواب والوزراء وقادة الطوائف (الزعماء) – وكذلك مع الدبلوماسيين الأوروبيين. وقد تورط العديد منهم أيضاً في منازعات قضائية. وفي بعض الأحيان، اندمجت المنظمات غير الحكومية في شبكات وطنية رسمية على مستوى البلاد، مثل “المنتدى الأخضر” و”التجمع اللبناني للبيئة”.

بعض المنظمات غير الحكومية المعنية بالبيئة والجمعيات المدنية هي نتاج السياسيين أنفسهم. مع انتشار جمعيات البيئة المستقلة في التسعينيات، أنشأت الأحزاب السياسية والجماعات الطائفية جمعياتها الخاصة. على سبيل المثال، أسست رندة بري، زوجة رئيس مجلس النواب، جمعية “أمواج البيئة”، والتي وصفها رئيسها الأول بأنها “منظمة غير حكومية دون أشخاص”.48 فضلاً عن أن العديد من المنظمات غير الحكومية مرتبطة بالزعيم الدرزي وليد جنبلاط، ووزير الداخلية السابق ميشال المر، أو النائبة البرلمانية بهية الحريري، وغيرهم. وعلى غرار الفضاءات المدنية الأخرى في لبنان، تزدحم الفضاءات البيئية بالمؤسسات العائلية والمجتمعية التي تراقب هذا الفضاء، وتدخل في تحالفات قائمة على المحسوبية مع الجهات الفاعلة المرتبطة بالبيئة، وتستفيد من تمويل المانحين الخارجيين لحماية وتعزيز مصالحهم داخل إطار حماية البيئة. وفي الآونة الأخيرة، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على منظمة “أخضر بلا حدود”، وهي منظمة غير حكومية مسجلة عام 2013 وتعمل في جنوب لبنان، بسبب “تقديمها الدعم والغطاء لحزب الله… تحت ستار النشاط البيئي”.49 وارتبطت منظمات غير حكومية أخرى بالمصالح التجارية والصناعية، مثل إنتاج الأسبست (الحرير الصَخري) والإسمنت واستيراد المبيدات الحشرية. وكما سنناقش في القسم التالي، فقد ساعدت هذه المنظمات غير الحكومية الحزبية بنجاح في استيعاب حيز المناصرة البيئية وتحييده.

جدول 2: القضايا التي تحفز المنظمات غير الحكومية المعنية بالبيئة

أمثلة على المنظمات غير الحكومية في المجال – القضية المجال/القضية البيئية
●      جمعية الثروة الحرجية والتنمية

●      جمعية جذور لبنان

●      جمعية التحريج في لبنان

إعادة التحريج والغابات

مكافحة الحرائق

●      النادي اللبناني للتنقيب في المغاور

●      جمعية حماية الطبيعة في لبنان

●      مركز التعرف على الحياة البرية

●      أمواج البيئة

●      جمعيّة الأرض – لبنان

●      منظمة بحر لبنان

●      منظمة بيئتنا

●      جمعية جبال

●      منظمة غرينبيس (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)

المحافظة على التنوع البيولوجي
●      جمعية بذورنا جذورنا

●      جمعية تراب للتربية البيئية لبنان

●      الحركة الزراعية في لبنان

الزراعة البيئية
●      جمعية نحن المحافظة على المساحات العامة
●       جمعية أرز الشوف

●      جمعية أصدقاء حرش إهدن

●      جمعية حماية جبل موسى

موارد الأراضي وتحديد المناطق المحمية وإدارتها
●      جمعية حقوق الركاب وسائل النقل العامة
●      منظمة أركانسيال

●      جمعية الإصغاء

●      جمعيّة الأرض – لبنان‏

●      مؤسسة جفرا

●      مبادرة Live Love Recycle

●      جمعية ريسايكل ليبانون

إدارة النفايات الصلبة وإعادة التدوير
●      الجمعية اللبنانية لتوفير الطاقة والبيئة

●      الجمعية اللبنانية للطاقة المتجددة

الطاقة وتغير المناخ
●      جمعية مجلس لبنان للأبنية الخضراء الحفاظ على الطاقة والبناء الأخضر
●      منظمة فاموس تودوس

●      جمعية درب الجبل اللبناني

السياحة البيئية

التحالفات المهنية

باستخدام بعض أساليب المناصرة والتوعية للمنظمات غير الحكومية، ولكن دون تسجيل رسمي باعتبارها منظمات غير حكومية أو الاعتماد على المانحين، اجتمع دعاة حماية البيئة في لبنان في العقد الماضي في تحالفات مهنية للعمل في قطاعات أو قضايا محددة. وتضم هذه الائتلافات مجموعات متعددة التخصصات من المهنيين للتعاون في الدراسات التي تبين عدم فعالية الخطط المقترحة من جانب السلطات ومشاكلها، واقتراح مشاريع بديلة.

تلك هي حال “ائتلاف إدارة النفايات”، الذي تشكّل في عام 2017 وحمل على عاتقه “مهمة الضغط على السلطات لتبني استراتيجيات وخطط الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة التي تهدف إلى حماية البيئة والصحة العامة وزيادة استعادة الموارد من خلال اتباع مبادئ الاقتصاد الدائري والإنتاج والاستهلاك المستدامين”.50 يتكون الائتلاف بالأساس من المهنيين؛ بما في ذلك المحامون والمهندسون وعلماء الأحياء وخبراء الإدارة البيئية والمنتجون والمترجمون وخبراء الاتصالات.

كما تشكلت تحالفات مهنية تستهدف قضايا محلية محددة. ففي عام 2012 انضم خبراء المرور والمهندسون ومخططو المدن والمهندسون المعماريون وغيرهم من المهنيين إلى “الائتلاف المدني الرافض لطريق محور الحكمة – الترك (شارع فؤاد بطرس)” في معارضةٍ لمشروع إنشاء الطريق السريع المخطط له عبر حي الحكمة في بيروت، والذي يرى الائتلاف أنه لن يحل مشكلة المرور، وسيتسبب في تدمير البيئة والمناظر الطبيعية وتراث الحي التاريخي.51 ورافعا شعار “أوقفوا الاوتوستراد ،ابنوا حديقة فؤاد بطرس”، حشد التحالف الناس في الأحياء التي سيعبرها الطريق. وفي عام 2013، أسس المهندسون المعماريون والعمرانيون مبادرة “للمدينة” في مدينة صيدا جنوب بيروت، لمعارضة التطويرات الحضرية المخططة التي تهدد بساتين المدينة التاريخية، والممرات الخضراء، وشبكات المياه المعقدة (الأنهار والجداول، وشبكة الري القديمة)، ومن هناك حاولوا جاهدين تعبئة المزارعين وأصحاب البساتين.52

المقاومة الشعبية والحملات والتعبئة الشعبية

بالتوازي مع تمهين حماية البيئة، استمر حراك “حماية البيئة الطارئة” غير الرسمي والمحلي بعد الحرب. ففي عام 1997، دمر سكان حي السلم بضاحية بيروت محرقة للنفايات الملوثة، فيما وصفه أول مدير لمنظمة غرينبيس في بيروت بأنه “الانتفاضة البيئية الأولى في العالم العربي”.53 وفي العام نفسه، أغلق الصيادون وسكان برج حمود مكبّ القمامة المجاور لمرفأ الصيد في الدورة. وبالمثل، في عام 1998، نظّم سكان الناعمة جنوب العاصمة احتجاجاً ضد مكب نفايات في منطقتهم. وفي منطقة الكورة، ينظم السكان مظاهرات ويبنون حواجز على الطرق ضد صناعات المحاجر والإسمنت بشكل منتظم منذ التسعينيات.

وخلال العقد الماضي، غالباً ما أخذ التعاون بين المجتمعات المحلية ونشطاء المجتمع المدني حول مواقع محددة متضررة شكل الحملات. تضمن ذلك عادةً العمل المباشر والتواصل مع وسائل الإعلام وممارسة الضغط، وتُدار تلك الحملات وفق “هيكل مرن وشبه رسمي، مع عدد صغير من الأعضاء النشطين للغاية، وشبكة أكبر من الأفراد المهتمين الذين ينضمون من حين لآخر عند اتخاذ الخطوات العملية، أو يلتحقون بالاجتماعات”.54 في عام 2013، على سبيل المثال، أطلق سكان الناعمة والناشطون حملة لإغلاق مكب النفايات، وعقدوا اجتماعات مع الأحزاب السياسية والبلديات، ونظّموا فعاليات لرفع مستوى الوعي، وفي نهاية المطاف أغلقوا الطريق المؤدي إلى مكب النفايات. وفي يوليو/تموز 2018، نظّم سكان منطقة الكرنتينا في ضواحي بيروت حملة “محرقتكم قبرنا” لمعارضة الجهود المبذولة لبناء محرقة لبيروت في حيهم.

غالبًا ما تبدأ الحملات من السكان أنفسهم؛ فقد بدأت حملة “لا للسد” في حمانا من تنظيم وإدارة شباب القرية الذين تلقوا فيما بعد الدعم من شبكة أوسع من الناشطين. كما بدأت التحركات من أجل عدم خصخصة الدالية في الروشة على يد الصيادين وأسرهم المعرضين لخطر الإخلاء وفقدان سبل العيش، وقد جذبت بعد ذلك انتباه الناشطين الحضريين الذين أطلقوا الحملة.55

من التعبئة المحلية إلى التعبئة الوطنية

كان التحول الأبرز في حركة حماية البيئة في العقد الماضي ظهورها كنقطة محورية للتعبئة الجماهيرية على المستوى الوطني. ويمكننا في هذا الصدد رصد حالتين رئيسيتين من التعبئة الجماهيرية في عامي 2015 و2019 رفعتا المطالبات والمظالم إلى المستوى الوطني فيما يتعلق بسياسات النفايات والتلوث وإدارة الموارد الطبيعية والمساحات العامة.

في 17 تموز/يوليو 2015، نظّم أعضاء حملة إغلاق مكب الناعمة اعتصاماً لمنع دخول شاحنات القمامة إلى مكب النفايات. وفي أنحاء بيروت ومدن جبل لبنان، امتلأت الشوارع بجبالٍ من القمامة المتعفنة في حرارة الصيف، وكان الهواء الرطب مثقلاً بالأبخرة والروائح الضارة الناجمة عن الاحتراق في الهواء الطلق. ثم توسعت الحملة عندما نشر نشطاء المجتمع المدني – المعروفون على وسائل التواصل الاجتماعي باسم “طلعت ريحتكم#” أو نسختها الإنجليزية #YouStink – مقاطع فيديو وشعارات ومعلومات عبر الإنترنت، ثم نظموا اعتصامات في وسط بيروت. عرّفت حملة “طلعت ريحتكم” نفسها بأنها “حركة شعبية لبنانية نشأت كردّ فعل على عدم قدرة الحكومة على حل أزمة النفايات المستمرة بطريقة مستدامة”. وسرعان ما انضم إليهم المتظاهرون والناشطون الآخرون، بما فيهم تسع حملات مختلفة وخمس منظمات غير حكومية.56

وبعد بضعة أسابيع، أصبحت الاحتجاجات هي الأكبر في تاريخ لبنان حتى الآن خارج الأطر الحزبية والطائفية البحتة.57 وكانت هذه التعبئة أيضاً هي التعبئة الأكبر حتى الآن التي يرفع فيها المنظمون قضية بيئية بشكل واضح، باعتبارها إحدى قضايا الحوكمة السياسية. بيد أن طبيعة دوافع أفراد المتظاهرين كانت جد متباينة؛ فقد تراوحت المطالب بين رفع القمامة من الشوارع (فقط)، والاحتجاج على نقص الخدمات العامة مثل الماء والكهرباء والإسكان والتعليم والرعاية الصحية والبطالة وهشاشة سبل العيش. كما ردد العديد من المتظاهرين أمام كاميرات التلفاز: “أنا هنا اليوم لأن هذه الحركة لا تتعلق بقضية النفايات فحسب، بل بكل شيء”.58 ودعا بعض المتظاهرين إلى إسقاط الحكومة بأكملها، بينما طالب آخرون باستقالة وزيرَي البيئة والداخلية فقط. وبالمثل كانت هويات المتظاهرين متنوعة أيضاً؛ ففي حين كان معظم المنظمين من الشباب والمتعلمين وسكان المدن والناشطين من الطبقة المتوسطة، ضمت الاحتجاجات لأول مرة العديد من المتظاهرين من الأحياء الفقيرة أو العاطلين عن العمل.59 وحسب رصد وسائل الإعلام للواقعة، فقد أفل الحراك بحلول نهاية آب/أغسطس، واختُتم بتنظيم آخر احتجاج صغير في تشرين الأول/أكتوبر 2015.

وبعد أربع سنوات – عندما اندلعت الاحتجاجات الثورية في لبنان (ثورة تشرين الأول) عشية 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 – كانت القضايا البيئية محورية في مطالبات المتظاهرين. فبالإضافة إلى الضريبة الخبيثة المفروضة على تطبيق “واتساب” الشهير، يشير الباحثون إلى أكثر من 100 حريق من حرائق الغابات التي اجتاحت الريف وافتقار الدولة اللبنانية إلى الاستعداد لحالات الطوارئ، باعتبارها أسباباً أدت إلى الاحتجاجات الثورية غير المسبوقة تاريخياً. علاوة على ذلك، كان دعاة حماية البيئة قد أطلقوا مبادرة “أنقذوا مرج بسري” قبل عامين، وكانوا حاضرين منذ الليلة الأولى للاحتجاجات، معتبرين حملتهم “جزءًا لا يتجزأ من ثورة 17 تشرين الأول”.60 كما ظهرت صراعات بيئية أخرى – مثل الكفاح من أجل الحفاظ على المناطق الساحلية – في الهتافات الاحتجاجية والكتابات على الجدران في كل مكان (من ذلك مثلاً: “هذا البحر لي”، “هذا البحر لنا”)، وقد عجّلت تلك الشعارات بالإجراءات المباشرة في مواقع التنمية الساحلية الخاصة المتنازع عليها (مثل “الزيتونة باي” أو “ايدن باي”). كما نظم الناشطون مناقشات عامة حول جودة وصلاحية الهواء المحيط بمحطة الزوق لتوليد الكهرباء، وتلوث نهر الليطاني، وإدارة النفايات في الأماكن العامة التي تحولت إلى مواقع احتجاج.

الحملات الانتخابية والأحزاب السياسية

لا تكتمل أي نظرة عامة على الحراك المعاصر لحماية البيئة في لبنان دون الإشارة إلى حقيقة أن الناشطين في مجال البيئة أصبحوا مرشحين انتخابيين على المستوى المحلي والوطني. ففي الانتخابات البلدية في أيار/مايو 2016، جمعت قائمة انتخابية تحت اسم “بيروت مدينتي” المهنيين والأكاديميين والناشطين الحضريين تحت خطاب “الحق في المدينة” الذي يركز على تحقيق “رفاهية المعيش اليومي” و”قابلية العيش”، وهي المبادئ التي شملت مشاريع حماية البيئة، مثل توسيع الساحات العامة الخضراء (من 1 إلى 52 متر مربع للفرد في غضون ست سنوات) ووسائل عملية للنقل العام. هدفت الحملة أيضاً إلى الحد من تلوث المياه والهواء، واقترحت برنامجاً لإدارة النفايات الصلبة لبلدية بيروت من شأنه إعادة تدوير ما لا يقل عن 40% من النفايات الصلبة في المدينة. وتمكنت القائمة من الفوز بنسبة 32% من إجمالي الأصوات، رغم أن ذلك لم يكن كافياً لتجاوز القنطرة الصعبة المتمثلة في قانون الانتخابات القائم على مبدأ الأكثرية (وأن 20% فقط من الناخبين صوّتوا بالفعل، وهو ما يحدث غالباً في الانتخابات المحلية في لبنان بسبب أن نظام تسجيل الناخبين يعتمد على الأصل العائلي وليس على مكان الإقامة).

وبعد خسارتهم الانتخابات البلدية، صوّت ثلثا الحملة على عدم المشاركة في الانتخابات البرلمانية لعام 2018، لكن أعضاء الحزب – وغيرهم من دعاة حماية البيئة – خاضوا الانتخابات تحت قائمة “كلنا وطني” المستقلة، ولم ينجح منها سوى مرشح مستقل واحد.61 ثم خاضت قائمة “بيروت مدينتي” الانتخابات النيابية عام 2022، لكن لم ينجح أيٌ من مرشحيها. ولكن في تلك الانتخابات، كان أحد مؤسسي الحزب – الذي يترشح الآن ضمن قائمة مختلفة – من بين 13 مرشحاً مستقلاً فازوا بمقاعد. علاوة على ذلك، فاز حزب التقدم الجديد المؤيّد لحماية البيئة (والذي ضم قدامى أعضاء “بيروت مدينتي”) بمقعدين.

وأخيراً، يزعم حزبان سياسيان في لبنان أنهما يمثلان أجندات مناصرة لحماية البيئة، رغم أن كليهما يحتضر فعلياً. أسس حبيب معلوف، الصحفي البيئي الأشهر في لبنان والناشط اليساري البارز، حزب البيئة اللبناني في كانون الثاني/يناير 2005، قبل شهر واحد من اغتيال الحريري، وكان غير نشط في أغلب الأحيان منذ توقيت تأسيسه المؤسف. وقبل ثلاث سنوات، أسس وزير البيئة السابق أكرم شهيب حزب الخضر اللبناني، وهي خطوة اعتبرها دعاة حماية البيئة المستقلون، مثل معلوف، مجرد مناورة حزبية من جانب جنبلاط يحاول بها السيطرة على الحركة البيئية. وعندما انتُخب فيليب سكاف، رئيس شركة إعلانات بارزة عملت أيضاً على الترويج لحملة العلاقات العامة لسوكلين، باعتباره أول رئيس لحزب الخضر اللبناني في عام 2008، أصبح نشاط الحزب قائماً على نوعٍ من المشاركة النخبوية، بدلاً من التركيز الحقيقي على مسائل العدالة البيئية.62

مواجهة الأوليغارشية: التحديات وخطوط الصدع

في مواجهة التعبئة والدعوة لحماية البيئة، عمدت الأوليغارشية في لبنان – سواء النخبة الطائفية/السياسية وأصحاب المصالح التجارية/المالية الذين يدعمونها – إلى تفعيل مجموعة من الإجراءات التي تستخدمها العديد من الأنظمة لتقويض مطالب التغيير الاجتماعي والسياسي؛ مزيجٌ من القمع والاستقطاب وبث الفرقة.

عندما يفضح الصحفيون الاستقصائيون والباحثون والناشطون المدنيون السياسيين أو يتحدون سلطتهم، فإنهم يتعرضون في بعض الأحيان للاعتداء الجسدي والترهيب والتصيّد القانوني والاستدعاء للاستجواب والاعتقال، ويصبحون أهدافاً لاغتيال الشخصية. كان هذا، على سبيل المثال، مصير الصحفيين والباحثين والناشطين الذين حاولوا الوصول إلى جذور فضيحة البراميل السامة (ومن بينهم الرئيس الأول لمنظمة غرينبيس في بيروت فؤاد حمدان)،63 وكذلك الصحفيين الذين رووا قصتهم بعد عقود من تلك الأحداث.64 وعندما خرج باحثٌ في مجال المياه في الجامعة الأميركية في بيروت في فيلم وثائقي ينتقد فيه أحد السدود المثيرة للجدل، تلقت قيادة الجامعة رسالة من وزارة الطاقة والمياه – ممهورة بتوقيع الوزيرة نفسها – تتهمه فيها بـ”الإضرار بمصالح الوطن وخدمة العدو الإسرائيلي”.65 وخلال احتجاجات 2015 و2019، واجه المتظاهرون الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي وخراطيم المياه والقنابل الصوتية، كما تعرض بعضهم لاعتقالات تعسفية ومحاكمات عسكرية.66 وقد استغل الساسة ملكيتهم لمختلف وسائل الإعلام لتشويه سمعة الناشطين، وتصويرهم على أنهم منحرفون، وعملاء أجانب، ومدمنو مخدرات، وملحدون مناهضين للدين، ودعوا أنصارهم إلى عدم الانضمام إلى الاحتجاجات، حتى أن بعض الأحزاب السياسية اتبعت أسلوب نشر أتباعها بانتظام لترهيب المتظاهرين.

كما نجحت الأوليغارشية في احتواء وتحييد الفضاء المدني للنشاط البيئي في لبنان ما بعد الحرب من خلال إنشاء جمعياتهم الخاصة وزرع ممثلين حزبيين في الائتلافات. وكما يوثّق بول كينغستون، كانت تلك الاستراتيجية أظهر ما يكون في حالة المنتدى البيئي اللبناني؛ وهو لجنة تنسيق أنشأها الناشطون لتكون منصة للدعوة الوطنية لحماية البيئة ومكاناً لتوزيع الأموال من صندوق البيئة العالمي التابع للأمم المتحدة المخصص لإنشاء ثلاث مناطق لحماية البيئة.67 وسرعان ما اخترقت المنظمات التي أنشأها القادة السياسيون وأفراد عائلاتهم المنتدى البيئي اللبناني، واستقرت في مناصب قيادية مهيمنة. كما انضمت المنظمات غير الحكومية المرتبطة بإنتاج الأسبستوس والإسمنت واستيراد المبيدات الحشرية إلى المنتدى البيئي اللبناني.68 وإن المحاولات المتكررة الفاشلة لاستعادة دور المنتدى البيئي اللبناني باعتباره منصة للدفاع عن البيئة “لم يسفر إلا عن درجة كبيرة من خيبة الأمل والسخرية بين مجتمع المنظمات غير الحكومية البيئية الأكبر في البلاد”، حيث قرر البعض “الانسحاب تماماً من المناصرة الوطنية النشطة”.69

وبعيداً عن مزاحمة الحركة البيئية المستقلة، أو تهميشها ببساطة من خلال انتحال شكل الجمعيات المدنية؛ تمكنت النخب السياسية أيضاً من إفساد واستغلال مساعدات المانحين الخارجيين لقضايا بيئية. فمن خلال هيمنتهم على المنتدى البيئي اللبناني، استخدمت الأوليغارشية موقعها هذا لتوجيه أموال المانحين إلى الغابات والمحميات الطبيعية في معاقل نفوذهم.

كما لم يكتفِ السياسيون باستخدام مؤسسات الدولة لتنظيم وتسهيل عملية التراكم والبحث عن الريع التي دمرت النظم البيئية (مثل مجلس الإنماء والإعمار)، بل استعملوها أيضاً لكسر شوكة المقاومة. فقد منعت وزارة الداخلية – مستغلة سلطتها التنظيمية على أنشطة الجمعيات المدنية، والشركات، والإدارات المحلية (والأهم من ذلك البلديات) – تشكيل تكتلات مستقلة بديلة، وقامت بحماية الصناعات الملوثة. ومما يشهد على ذلك مثلاً: عرقلة وزير الداخلية ميشال المر – الذي كان هو نفسه منخرطاً بشكل كبير في أعمال المحاجر- الجهود التي بذلها الناشطون طوال التسعينيات لتشكيل جمعيات وتحالفات بيئية بديلة خارج المنتدى البيئي اللبناني.70

كما يعمل السياسيون في لبنان على إشاعة الفرقة والانقسامات بين صفوف الجهات الفاعلة المدنية، وخاصة خلال لحظات الخلاف المتصاعد مثل التعبئة في الشوارع؛ والأداة المفضلة لهم هنا هي تهمة وجود مندسين وعملاء مدفوعين وراء عمليات التعبئة. يضرب هذا التأطير على وتر تفعيل الانقسامات الطبقية والطائفية والعنصرية الموجودة في المجتمع بطرق “تعيد إنتاج الروح الانقسامية للنظام السياسي الذي يحتشد هؤلاء الفاعلون ضده”.71 على سبيل المثال؛ خلال الحراك عام 2015، عملت هذه الاتهامات على تثبيط واستبعاد مشاركة العمال المهاجرين واللاجئين في الاحتجاجات. كما أن وصم بعض المتظاهرين بأنهم “شباب شيعي قادم من معقل حركة أمل، جعلهم تلقائياً موضع شك في أعين دائرة غالبيتها من الطبقة المتوسطة ومقرها بيروت”.72

والأداة المفضلة الأخرى هي اتهام بعض المتظاهرين – على المستوى الخطابي والقانوني – بأنهم “عنيفون”. إذ إن تقسيم المتظاهرين إلى متحضرين مسالمين وآخرين عنيفين أشرار يمهد الطريق أمام قوات الأمن لقمعهم بالقوة، ويُمكِّن القضاة من إصدار أشد الأحكام بحقهم.73 والأسوأ هو تسرب ذلك الخطاب الخبيث إلى الفضاء المدني. وكما هو الحال في بيئات أخرى، فإن مفاهيم اللاعنف في لبنان غالباً ما تحمل التزامات “باللين والتحضر” (مثل الدعوة إلى حراك مسالم وحضري). وغالباً ما تحمل تفسيرات اللين والتحضر تلك دلالات طبقية وهوياتية. لاحظت لمياء مغنية ومو علي نايل أن مواجهات نشطاء الطبقة الوسطى مع قوات الأمن كانت محل احتفاء كبير وعُدّت أعمالاً بطولية، “ولكن عندما ارتكب العنف نفسه المتظاهرون الغاضبون العاديون وذوو الدخل المنخفض، وصفهم نشطاء “طلعت ريحتكم” بأنهم “متسللين” و”عناصر غير منضبطة”.74 من الناحية النظرية، فإن الضرب على وتر الانقسامات البارزة يعزز بشكل طبيعي ركائز استمرارية الوضع الراهن. وبصورة أوضح: تعمل هذه الاستراتيجية على تقسيم وتفتيت الجبهات، مثلما حدث عندما دعا منظمو “طلعت ريحتكم” قوات أمن الدولة إلى فض احتجاج المتسللين.

بإمكان السياسيين أيضاً اللعب على التوترات الطائفية لتحويل الانتباه بعيداً عن التأثير البيئي لمشاريع البنية التحتية، وعادةً ما يكون ذلك من خلال تصوير مقاومة المجتمع لهذه المشاريع على أنها مدفوعة بأجندات طائفية وليس الحماية البيئية. على سبيل المثال؛ أثناء بناء سد القيسماني المثير للجدل في حمانا، ومع اكتساب المقاومة الشعبية زخماً من خلال حملة “لا للسد”؛ ألقى المسؤولون الحكوميون باللائمة على سكان القرية، الذين ينتمي أغلبهم إلى الروم الأرثوذكس، وعلقوا مقاومتهم للسد على رغبتهم في منع القرى المحيطة – التي تضم غالبية من الدروز – من الوصول إلى الماء. وبحسب الناشطين في مجال البيئة، فإن “هذا كان أحد الأسباب الرئيسية لعدم حصول حملة “لا للسد” في حمانا على دعم القرى المحيطة بها”.75 كما عادت الشرطة والأحزاب السياسية المحلية إلى الاتهام الشائع المحمل بدلالات الصراع الطائفي – “تهديد السلم الأهلي” – لإجبار الحملة على إزالة اللافتات المناهضة للسد.76

حول النجاح والفشل في النشاط البيئي

كيف ينبغي لنا تقييم تأثير الحركات البيئية المختلفة؟ نظراً للحالة البيئية المزرية في لبنان، والتي ازدادت سوءاً على مدى السنوات العشرين الماضية، فمن الصعب رؤية أي شيء سوى الفشل الذريع في حماية البيئة. فاليوم يعد نهر الليطاني، وهو الأكبر في البلاد، من أكثر الأنهار تلوثاً في المنطقة، وهو قاب قوسين أو أدنى من إعلان موته الكامل. ومنذ عام 2005، تضاعفت في لبنان حالات الأمراض المنقولة بالمياه والمرتبطة بتدهور جودة المياه.77 وفي ذلك العام، اعتمد 5% فقط من الأسر على المياه المعبأة باعتبارها مصدراً رئيسياً لمياه الشرب. وبحلول عام 2019 ارتفعت تلك النسبة إلى 69%.78 من ناحية أخرى، تعد لبنان من أعلى الدول استهلاكاً للزجاجات البلاستيكية  في العالم.79 كما أن المياه المعبأة لم تسلم من التلوث فقد كشف تحليل لـ 48 شركة مياه معبأة كبرى أجري في عام 2021 أن ما يقرب من 80% منها تحمل مواد كيميائية وبيولوجية.80 وفوق ذلك؛ يوجد في لبنان أعلى معدل في العالم العربي للوفيات المبكرة بسبب تلوث الهواء الناجم عن حرق الوقود الأحفوري.81 ففي عام 2018، صنفت منظمة غرينبيس  مدينة جونية في المرتبة الخامسة في العالم العربي، وفي المرتبة 23 على مستوى العالم، في التلوث بثاني أكسيد النيتروجين.82 ومنذ عام 1996، تضاعف تقريبًا عدد المقالع، والعديد منها غير قانوني.83 وفي عام 2021 وحده، كانت خسارة الغابات في عكار أعلى بنحو 1200% من المتوسط خلال العقدين الماضيين؛84 وغير ذلك الكثير مما تحتويه قائمة الظروف البيئية الكارثية.85

إن الفشل في وقف التدهور البيئي ليس بالأمر المستغرب. إن التدهور البيئي متشابك تماماً مع الاقتصاد السياسي في لبنان، وقد وضعت الأوليغارشية الحاكمة عراقيل كثيرة ومتعددة ضد مطالب حماية البيئة والمساءلة. وعلى هذا النحو، فبدون تفكيك شبكات المحسوبية والتحيز – أو بعبارة أخرى: دون التغيير الذي يمكن وصفه بالثوري – من الصعب أن نرى كيف كان من الممكن أن تتخذ الأمور مساراً آخر.

ما المنجزات إذن بعد ثلاثين عاماً من العمل المدني البيئي؟ تفحص المناقشة التالية مفاهيم النجاح والفشل في أنشطة حماية البيئة (انظر الجدول 3 للحصول على ملخص لفئات النجاح المتميزة). فهذه المناقشة تنظر إلى قضايا مثل التعبئة، والقدرة على إعادة تأسيس وإعادة تعريف العلاقات مع الطبيعة، وإقامة خطاب بديل في مواجهة الأزمات المتكررة وشبكات المحسوبية والتحيز التي تستمر في الاتساع.

جدول 3: تصنيفات النجاح والفشل في أنشطة حماية البيئة

مثال (أمثلة) نوع التغيير
حراك 2015؛ انتفاضات 2019 مركزية حماية البيئة في التعبئة الشعبية
[غير محدد ومستمر] تغيير الخطاب والسرديات
قانون حماية البيئة، 2002 سن/تغيير القوانين
مقترح برلماني لمنح عقود إيجار خاصة للمناطق العامة لمدة 50 عاماً، 1998 إيقاف العمل بالقوانين
وزارة البيئة، 1996 إنشاء مؤسسات سياسية أكثر شمولاً
تخصيص 18 محمية طبيعية؛

إدارة النفايات على مستوى البلديات

تغييرات السياسات، الوطنية والمحلية
بناء سد بسري 2020

إنشاء الطرق السريعة، عدة مرات

إيقاف مشاريع محددة
[غير محدد ومستمر] نمذجة طرق بديلة للعيش

أولاً: مركزية حماية البيئة في التعبئة الشعبية

أحد أبرز التطورات هو مركزية المطالب البيئية في النضال على المستوى الوطني من أجل التغيير السياسي والاقتصادي في لبنان. فعلى النقيض من بلدان مثل الأردن والجزائر والمغرب – حيث تظل المظالم البيئية العميقة محلية إلى حد كبير – فقد رُبطت تلك المشكلات بنجاح في لبنان بمظالم أوسع على المستوى الوطني بشأن تدهور البنية التحتية، والاستيلاء على مؤسسات الدولة، والفساد.86 وكما رأينا، كانت المطالب البيئية في قلب الانتفاضات التاريخية عام 2019، وربما ساهم في اندلاعها الغضبُ من تقاعس الدولة عن مواجهة حرائق الغابات، وبناء سد في بسري، وسوابق أبعد مثل حراك النفايات 2015.

إن اعتبار حماية البيئة إطاراً بارزاً في التعبئة الشعبية على المستوى الوطني يعد نجاحاً. وكما يقول جيفري كرم وريما ماجد؛ بغض النظر عن تطوراته ومآلاته، فقد نشأ بالفعل وضع ثوري في لبنان في خريف عام 2019؛87 حيث تعرضت السلطة للتهديد، وظهرت طريقة بديلة لممارسة السياسة، حتى لو كان ذلك بشكل مؤقت أو عابر. وإذا كانت المظالم والمطالبات البيئية في قلب المطالب الشعبية للتغيير، ويمكن أن تساعد في خلق أوضاع ثورية في لبنان، فهذا يعد نجاحاً لحماية البيئة.

وإن فهم سبب شق المطالب البيئية طريقها إلى دوائر عدة من التعبئة الوطنية الجماهيرية في لبنان خصوصاً وعدم حدوثه في أي مكان آخر في المنطقة؛ يتطلب أجندة بحثية مقارنة تتجاوز نطاق هذا العمل. قد يكون أحد التفسيرات هو التفاعل بين حجم البلد وطبيعة التدهور البيئي. إذ غالباً ما يختلف التعامل مع القضايا البيئية بين المناطق. ففي بلدان كبيرة مثل الجزائر والمغرب، لم تتمكن حركات الاحتجاج الريفية التي استحضرت القضايا البيئية من توجيهها إلى التنافس على المستوى الوطني مع نمو تحالفات الاحتجاج لتشمل سكان المناطق الحضرية. وفي المقابل، فإن صغر حجم لبنان والتجانس النسبي للمشاكل البيئية – على سبيل المثال: خصخصة 80% من الساحل، والإدارة الكارثية للنفايات في كل مكان، والتلوث المنتشر على نطاق واسع – قد يكون سبباً في بروز مطالب حماية البيئة على الساحة الوطنية.88

التفسير الثاني لا يتعلق بكيفية تجربة التدهور البيئي، بقدر ما يتعلق بالأطر الخطابية. ففي مقارنتهما بين لبنان والأردن، يرى جيريمي لانجلوا ومروة داودي أن خطاب الدولة حول إدارة الموارد يفسر الاختلاف في مستويات التعبئة. إن رسائل الدولة الأردنية المتماسكة حول المياه والبنية التحتية المتعلقة بالمياه، والتي تستصحب فيها دائماً التهديدات من قوى خارجية أو حركات داخلية مثيرة للفتنة، تجعل الاحتجاجات المتعلقة بالمياه محصورة في المناطق الريفية. في المقابل، لم تطور الدولة اللبنانية أبداً رسالة موحدة حول إدارة المياه أو النفايات لأن الجهات الفاعلة في الدولة والنخب جعلت من هاتين القضيتين ساحات للمنافسة والصراع، وهو ما خلق فرصاً سياسية.89

ثانياً: إدماج وتعميم الخطاب البيئي

وعلى نحو متصل؛ هناك مقياس آخر للنجاح يتمثل في أن المطالب البيئية أصبحت الآن مركزية في الخطاب العام في لبنان. وربما كان لبنان مجهزاً لذلك فإن الأفكار حول الطبيعة والبيئة تكمن وراء المشاريع المتنافسة على السلطة السياسية في العديد من الدول الحديثة. لكن في لبنان، كانت هذه الأفكار جزءًا لا يتجزأ من عملية صنع الهوية الوطنية وإعادة إنتاجها. علاوة على ذلك، فإن التنوع البيئي في المنطقة هو الذي يحفز الفخر الوطني بـ “لبنان الأخضر” حتى أكثر من التراث الثقافي، والتسويق السياحي القائم على “تفرد” ذلك التنوع البيئي. الرمز الوطني نفسه، الأرز اللبناني، هو رمز بيئي ذو دلالة عميقة، استخدمته النخب المارونية لربط الدولة بالكتاب المقدس والإرث  الفينيقي، أي بتاريخ ما قبل الإسلام.90 كما قامت نخب أخرى في فترة ما بعد الاستقلال بنسج سرديات تتعلق بالطبيعة والمناظر الطبيعية في برامجها السياسية؛ وأبرزها كمال جنبلاط زعيم الطائفة الدرزية الذي دمج  هموم روحية بشأن بُعد واغتراب الإنسانية عن الطبيعة في الإيديولوجية اليسارية.91 وفي الآونة الأخيرة، تربط مشاريع حزب الله للإنتاج السياسي والثقافي بين المقاومة العسكرية والتواؤم مع الطبيعة، سواء من خلال مجموعات الكشافة والمخيمات الصيفية للشباب، أو الانعكاس المادي والرمزي لتلك الأيديولوجية في المواقع التذكارية.92

في هذا السياق، نجح النشطاء البيئيون في استغلال الرموز الطبيعية والتراثية المروج لها في الأصل من قِبل النخب السياسية. فمثلاً، خلال حملة أنقذوا مرج بسري، جعل المنظمون من “بسري” رمزاً مطلقاً لِشعار “لبنان الأخضر” الذي يقوم قادة البلد أنفسهم بتدميره، وبهذا تمكنوا من تطويع وإعادة طرح تلك الرموز. ويمكن القول إن النشطاء البيئيين أجبروا النخب على “تناول التحديات التشريعية على الصعيد الخطابات والمداولات السياسية على أقل تقدير”.93

ثالثاً: تغيير القوانين

حاول كثير من النشطاء البيئيين العمل داخل مؤسسات الدولة اللبنانية لوضع سياسات وأطر قانونية جديدة وتغيير القوانين وتشكيل مؤسسات تداول السياسات العامة لتكون أكثر شمولية. لكن أساليب التوعية والمناصرة التقليدية هذه أثبتت محدوديتها في السياق اللبناني، مع استثناء ملحوظ لمسألة واحدة، وهي إنشاء المحميات الطبيعية.

خلافاً لبعض القضايا الأخرى في لبنان حيث يتمثل العائق الرئيسي في عدم إنفاذ القانون، فإن مشكلة القوانين البيئية تتمثل في أنها نفسها معيبة. مثلاً، على الرغم من أن تنفيذ المشاريع الكبيرة يشترط إجراء دراسة لتقييم الأثر البيئي، يجب على الشركة المتعاقدة إجراء هذه الدراسة بنفسها (مرسوم رقم 8633 لعام 2012). وهو مطلب يُحدث تضارب واضح في المصالح ويتسبب في حالات منافية للمنطق، مثلما حدث عندما قُدرت تكلفة التدهور البيئي الناتج عن سد وادي بسري في دراسة تقييم الأثر البيئي الخاصة به بحوالي 148 ألف دولار فحسب.94 فقد تمكن السياسيون من الحشد والتحالف بفاعلية لعرقلة الجهود المبذولة من أجل تغيير اللوائح حتى يتسنى لأطراف مستقلة إجراء دراسات تقييم الأثر البيئي. وقوّضوا أيضاً كافة المحاولات الرامية إلى وضع قواعد واضحة لبعض الأنشطة مثل مقالع وكسارات الحجر. وأخيراً، فحتى القوانين التي غيروها، مثل قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة في عام 2018، لم تتغير إلا بعد حملة انتقادات حادة من قِبل النشطاء البيئيين.95

رابعًا: جعل المداولات الخاصة بالسياسات العامة أكثر شمولية

إضافة إلى التغييرات القانونية، غالباً ما يستخدم الباحثون والنشطاء مؤشر آخر لتقييم التغيير، وهو ما إذا أصبحت المداولات السياسية أكثر شمولية. على المستوى الوطني، عادة ما يشارك النشطاء البيئيون مع السياسيين والوزراء والموظفين الحكوميين للدفع باتجاه سياسات معينة. لكن وفي حين أن إمكانية الوصول ليست هي المشكلة، فقد عارض السياسيون محاولات الوصول المؤسسية إلى عملية وضع السياسات.

يعود أحد الأمثلة الوافية على ذلك إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما أصبحت وزارة البيئة – التي كانت لا تزال حديثة التأسيس – منفذاً سياسياً للأطراف الفاعلة المدنية، وهي فترة يصفها بعض النشطاء البيئيين “بالعصر الذهبي” لأنشطة الدفاع عن البيئة في لبنان. فتزامناً مع بروز الاهتمام العالمي بالبيئة والتمويل الدولي المرتبط بذلك، أنشأ رفيق الحريري، رئيس الوزراء آنذاك، الوزارة في عام 1993 “للاستحواذ على مساعدات المانحين الدوليين”، وذلك وفقاً لكريم مقدسي.96 وبوصفها وزارة ثانوية، فقد أُسندت الوزارة حينها لسياسيّ معارض ينتمي لإحدى الطوائف الصغيرة. لكن بعد ثلاث سنوات، مثلما يوثق بول كينغستون، ومع تعيين أكرم شهيب، عضو الحزب التقدمي الاشتراكي الذي ينتمي أغلب مؤيديه للطائفة الدرزية، أصبحت الوزارة ملتقاً للمنظمات غير الحكومية. وقد رحبت هذه المنظمات بِشهيب، الذي عمل سابقاً مدرساً للعلوم في مدرسة ثانوية، وكان يشارك بفعالية في كثير من الأنشطة البيئية، ويرأس “رابطة تنمية وحفظ الغابات” غير الحكومية، وبدأت في التعاون الوثيق معه في قضيتين رئيسيتين: وهما تنظيم المقالع والمرامل والكسارات وحماية المنطقة الساحلية من عمليات التطوير التجارية غير القانونية.

ومثلما يؤكد كينغستون، فإن دوافع الوزارة في أواخر التسعينيات، “لم تنبع من المجتمع المدني” وإنما من “الشبكة السياسية الدرزية الأقل حظاً تحت قيادة وليد جنبلاط، الذي رأى في تعيين شهيب العضو في حزبه وزيراً عام 1996 بمثابة فرصة لتحويل الاهتمام بالبيئة إلى مورد سياسي”. قرر شهيب بدوره “الاستفادة من محاولات جنبلاط، زعيم طائفته، من أجل استعادة مقعدهم في قلب السلطة السياسية في البلاد”.97 ومن ثم، أصبحت وزارة البيئة مركزاً “للسياسيين المعارضين الطموحين من أجل عقد تحالفات بين الوزارة والنشطاء البيئيين بوصفها وسيلةً لإسماع صوت الوزارة -وصوتهم- داخل مزيدٍ من الشبكات السياسية الرئيسية”.98

تمثل أكبر نجاح خلال تلك الحقبة في رفض اقتراح برلماني بمنح عقود إيجار خاصة مدتها 50 عاماً في أماكن عامة، وبالتالي الحيلولة دون إضفاء الطابع الرسمي على عمليات الخصخصة واسعة النطاق. عدا ذلك، لم تحدث أيّ تغييرات سياسية ولم يمرر البرلمان أيّ مسودات تشريعية قدمتها الوزارة لتصبح قوانيناً. وعلى الرغم من إغلاق بعض مقالع وكسارات الحجر (تحديداً التابعة لجنبلاط)، واصلت الشركات الأكبر عملها دون أيّ رادع. ورغم المساعي الحثيثة لإتاحة إمكانية الوصول المؤسسي للمنظمات غير الحكومية ومشاركتها في هيئات صنع السياسات الوزارية، لكنها فشلت في ذلك أيضاً. إضافة إلى ذلك، ومثلما ذكر النشطاء البيئيون خلال أزمة النفايات في عام 2015، فقد وُضعت سياسات إدارة النفايات الفاشلة خلال فترة تولي شهيب للوزارة عام 1997.99

بخلاف فترة ولاية شهيب، التي اعتمد خلالها على الشبكة السياسية والاقتصادية المحددة الخاضعة لسيطرته، تذبذبت مواقف وزارة البيئة ما بين عجزها عن وقف التدهور البيئي وتورطها الكبير في الجرائم البيئية.100

هذا النقاش يسلط الضوء على إشكاليات الاعتماد على “إمكانية الوصول” في حد ذاته كمؤشر على النجاح. فعادة ما تشير الأطراف الفاعلة المدنية إلى إمكانية وصولها إلى بعض المؤسسات أو صناع القرار، مثل وزير البيئة الحالي ناصر ياسين الذي ينتمي إلى المجتمع المدني، بوصفه إنجازاً. من غير المستغرب أيضاً أن تشير الأطراف الفاعلة المدنية -عندما يطلب منها سرد نجاحاتها- إلى سمعة مؤسساتها أو مركزها الرئيسي في المنظومة المدنية. مع ذلك، وبينما يمكن للوصول أن يزيد من بروز منظمة غير حكومية بعينها وأن يساعدها في الحصول على التمويل وتحقيق الاكتفاء الذاتي بمرور الوقت، فإن جعل الوصول غاية في ذاته (أيّ الوصول غير المصحوب بالتغيير) لا يعد نجاحاً لحركة حماية البيئة إذا فشل في تحسين الأوضاع البيئية. وهذه المفاهيم الإشكالية عن النجاح هي ما تقود -جزئياً- إلى الانتقادات الشديدة بين النشطاء والباحثين لما يسمونه “استحواذ المنظمات غير الحكومية على السياسات” في لبنان (وأماكن أخرى).101

خامساً: تغيير السياسات على المستوى الوطني والمستويات البلدية

من ناحية التغيير الفعلي في السياسات، يوجد استثناء واحد بارز في مسار الأنشطة البيئية في لبنان، وهو إنشاء المحميات الطبيعية. تبرهن الثماني عشرة محمية طبيعية الموجودة حالياً (بما يعادل 2.5% من مساحة لبنان) أن التغيير ممكن عندما يخدم المصالح السياسية والاقتصادية المهيمنة. مثلما ذكرنا آنفًا، تعود بداية حملات وأنشطة حماية البيئة إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، لكنها عادت من جديد في التسعينيات، عندما أصبح رأس المال العالمي الموجه نحو حماية المناطق البيئية متاحاً عبر صندوق البيئة العالمي التابع للأمم المتحدة. عندها انتهز السياسيون النافذون في لبنان الفرصة، معتبرين أن حركة حماية البيئة لا يمكن أن تشكل تهديداً بأي حال من الأحوال. ويستحق بحث كينغستون المتعمق حول هذه الدينامية الاقتباس منه بإسهاب:

  • أولاً، لا تساهم الأنشطة الموجهة نحو حماية البيئة والحفاظ عليها في تقييد العمليات العامة الخاصة بتكدس رأس المال الاقتصادي لدى النخب الاقتصادية في البلاد بعد الحرب، وفي أحسن الأحوال، تشجع على إنشاء محميات “معزولة” وسط كم هائل من “عمليات التشييد المعممة”. وقد برز هذا الانتشار المحدود لأنشطة حماية البيئة بفعل حقيقة أن معظم الأراضي التي صُنفت على أنها مناطق محمية كانت أراضٍ عامة أصلاً، وهي أرض محدودة المساحة والعدد ولا يملك رجال الأعمال الحق في تطويرها.
  • ثانياً، أثبتت المحميات الطبيعية أنها أداة مفيدة في إعادة تعزيز “سيادة” السياسيين النافذين وملاك الأراضي الأقوياء على الأراضي المحلية، مع اجتذاب الدعم المالي المقدم من الجهات المانحة الأجنبية خلال هذه العملية. على سبيل المثال، خلص التحليل السابق لمشروع المحميات الطبيعية التي مولها صندوق البيئة العالمي في التسعينيات إلى أنه بدلاً من دعم “جماهيرية عملية الحفاظ على التنوع البيولوجي في موقعه الأصلي”، شجع المشروع على ظهور “الاحتكار البيئي”، خاصة في محمية أرز الباروك في قضاء الشوف، التي مع أنها أرض عامة، إلا أنها تقع أيضاً ضمن المجال السياسي للزعيم الدرزي وليد جنبلاط.

وأثبتت المحميات أيضاً نفعها للعائلات المالكة للأراضي المهتمة بإعادة فرض سيطرتها على إقطاعياتها والقرى المحيطة بها. ومن هذا المنطلق، يجب اعتبار المحميات جزءاً من جهود أوسع نطاقاً ترمي إلى تعزيز قواعد السلطة على الأراضي لبعض “الأنظمة العائلية” في البلد. وأخيراً، يجب أيضاً النظر إلى السياسات الخاصة بالمحميات في لبنان خلال حقبة ما بعد الحرب باعتبارها جزء من تنافس طائفي أعم على الأراضي، مع إشارة أحد المحللين إلى “عملية شراء الأراضي المنهجية” التي تضطلع بها مجموعة متنوعة من الأحزاب الطائفية.

يشير وصف كينغستون إلى كيف يمكن “لبعض النجاحات” القصيرة الأجل التي يحققها النشطاء البيئيون أن تخاطر بالالتزامات الطويلة الأجل. ويرى النشطاء البيئيون الذي ينتقدون عقيدة المحافظة على مصادر الطبيعة من خلال إنشاء المحميات -ويُعرفون أحياناً بالنشطاء “البنيين” مقابل النشطاء “الخضر”- أن أجندة المحميات فاشلة، بسبب أولاً آثارها العكسية ثم إسهامها في تراجع وأفول مسألة العدالة البيئية.

على النقيض من القيود المفروضة على المستوى الوطني، استطاع النشطاء البيئيون دعم مبادرات صغيرة في بضعة أماكن على مستوى البلديات. وأسفرت التعهدات والمفاوضات بين الأطراف الفاعلة المدنية ورؤساء المجالس البلدية في عدد قليل للغاية من البلديات عن تنفيذ برامج لإدارة النفايات أكثر استدامة، من خلال فصل النفايات من المصدر لتقليل كمية المخلفات المرسلة إلى المطامر. لكن استنساخ هذه المبادرات صعب للغاية، لأنه في النظام اللبناني الشديد المركزية تتقيد البلديات بالعمل وفقاً لشبكات وحسابات على الصعيد الوطني.

تمتلك البلديات موارد مالية محدودة للغاية وهي مجبرة على دفع تكاليف عقود إدارة النفايات الصلبة التي تفاوض عليها مجلس الإنماء والإعمار القائم على المحسوبية، وبالتالي لم يترك لها أيّ مجال لإبرام عقود أخرى بنفسها. ومن ثم، فإنه من المستحيل تنفيذ المشاريع المستقلة ما لم يتوافر مزيد من التمويل، ولهذا السبب تعتمد مشاريع كثيرة على دعم الوكالات الدولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وبمجرد توقف التمويل، تختفي هذه المشاريع.

علاوة على ذلك، عندما تمكنت البلديات من استحداث أنظمة جديدة، فإن الأسباب وراء ذلك ليست لها خصوصيتها الفريدة فحسب وإنما أيضاً لا يمكن تكرارها. ومثلما ذكرت سينتيا كردي في دراستها، فإن بلدة بريح، وهي واحدة من بين عدد قليل للغاية من البلديات التي أنهت عقدها مع مجلس الإنماء والإعمار وتمكنت من استرداد الرسوم التي دفعتها لشركة “سوكلين” وبالتالي كانت قادرة على تنفيذ برنامجها الخاص لإدارة النفايات، استطاعت تحقيق ذلك بعد تدخل ودعم شخصية سياسية بارزة.102 وعادة ما تنجح هذه الاستراتيجية القائمة على الواسطة لأنها غير قابلة للتكرار على نطاق واسع.

سادساً: عرقلة المشاريع

وبينما اتضح عدم إمكانية تغيير السياسات أو تكرار التجربة أو صعوبة وتعقيد ذلك، استطاعت الأطراف الفاعلة المدنية تحقيق نجاحات أكبر فيما يتعلق بالتصدي لبعض الأنشطة والمشاريع الضارة بالبيئة. ومع تاريخ طويل من حملات حماية البيئة، يمكننا استخلاص بعض الدروس (انظر الجدول 4 للاطلاع على ملخص).

أولاً، استطاعت الحملات التي نجحت في تحقيق الهدف منها استغلال الفرص الاستراتيجية الناجمة عن طبيعة شبكات النخبة التي تتسم بالانقسام والتنافسية، والتي تساهم أحياناً في إيجاد منافذ وثغرات يمكن للناشطين الاستفادة منها. ينطبق ذلك على سد بسري، عندما كان الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يتزعمه وليد جنبلاط غير متأكد من دعم ناخبيه في قضاء الشوف ويواجه توترات مع الحلفاء السياسيين (عندها شكل سد بسري ورقة ضغط).

استغل النشطاء البيئيون هذه الديناميات وحاولوا جاهدين ثني جنبلاط عن تأييد المشروع الإنشائي الذي كان قد دعمه في البداية.103 وفي النهاية، أعلنت أربع بلديات تابعة للحزب التقدمي الاشتراكي في مرج بسري في بيانات رسمية عن سحب تأييدها لبناء السد. وقد استعرض أحد الأشخاص الذين جرت مقابلتهم خلال تقرير أجرته جمعية جبال غير الحكومية حول العدالة البيئية هذه الديناميات بصورة جيدة:

تبدو فكرة البيئة في لبنان كالآتي: أعطيكم سد جنّة، وفي المقابل تعطوني سد بسري. لا يتعلق الأمر بسد مائي، وإنما بسد سياسي (…) في حال غير جنبلاط رأيه، وهو الآن معارض لسد بسري، فإن هذا لأنه لم يعد على وفاق مع التيار الوطني الحر. هل بات حقاً صديقاً للطبيعة الآن؟104

وخلال الحملة التي شُنت لإغلاق مطمر النّاعمة، أغلق النشطاء الطريق في اليوم نفسه لانتهاء العقد مع شركة “سوكلين” المكلَّفة بجمع ومعالجة النفايات. فقد عرفوا أن ممثلين الأحزاب المختلفة -الذين يمكن اعتبارهم أعضاءً في مجلس إدارة شركة “سوكلين”- لا يمكن أن يتوافقوا على شكل جديد لتشغيل الشركة، وهو خلاف جسدَ حالة الجمود السياسي العام بين تحالف 8 آذار وتحالف 14 آذار بشأن إصلاح قانون الانتخابات. ومع عدم وجود عقد أو مكان للتخلص من القمامة ومعالجتها، توقفت شركة “سوكلين” عن العمل.

ثانياً، توجب على الحملات التي تمكنت من حشد الأهالي أن تقنعهم بفعالية أن مصالحهم الشخصية -وليس الالتزامات البيئية المجردة- كانت معرضة للخطر. فوفقاً لمنظمي «الائتلاف المدني الرافض لطريق محور الحكمة-الترك»، فإن الحملة قد نجحت لأن “النشطاء تمكنوا من إقناع الملاك في الأحياء المتضررة بأن أراضيهم تستحق مبالغ أعلى بكثير من التي حددتها السلطات”، وهو ما أدى بدوره إلى رفع تعويضات نزع الملكية بصورة كبيرة، لدرجة أن السلطات لم تتمكن من استكمال المشروع.105

وفي السياق ذاته، لم يتمكن نشطاء مبادرة “للمدينة” من حشد أهالي مدينة صيدا الذين تقع منازلهم على مسار الطريق المخطط له مباشرة، لأن بعضهم ظن أن قيمة أراضيهم ستزيد في حال تشييد طريق أوسع. ونتيجة لذلك، وافقت السلطات على تحويل مسار الطريق ليلتف حول أحد الأحياء، لكن دون وقف المشروع بالكامل مثلما أمل النشطاء.

ثالثاً، قامت الحملات التي نجحت في تحقيق الهدف منها بربط القضايا البيئية صراحةً بالاقتصاد السياسي. ووفقاً لرولان نصّور، فقد نجحت حملة “أنقذوا مرج بسري” لأنها تحديداً “فضحت المصالح المؤسسية والدوافع الطائفية للمشروع”.106 وطالب النشطاء البيئيين “بعدم الخوف من معارضة الأسباب الرئيسية وراء التدهور البيئي الذي يعيشه لبنان… وفهم أن المشكلة بالسياسات النيوليبرالية والسياسات العامة… وهي أيضاً مرتبطة بشكل وثيق بالنظام السياسي في البلد”.107

لجأت الحملات الناجحة السابقة أيضاً إلى المواجهة المباشرة، مثل حملة الائتلاف المدني لمنع مشروع أوتوستراد فؤاد بطرس من تدمير المساحات الخضراء (والتراث الثقافي) في حي الحكمة، وحملة حماية ساحل دالية الروشة من أن يتحول إلى منتجع سياحي،108 وحملة إعادة فتح حرج بيروت، وهو أكبر منتزه في المدينة، أمام عامة الناس.

في المقابل، ومثلما يرى كثير من الباحثين والأفراد المشاركين في حراك 2015، فربما أدى قرار الأطراف الفاعلة المدنية، التي نصبت نفسها مهندسة ومديرة له- بفصل مطالبها عن المشهد السياسي والاقتصادي الأوسع نطاقاً إلى تقويض الحراك.109 فبسبب تشكل الحراك من أطراف فاعلة تنتمي لطيف أيديولوجي عريض، فإن محاولات التنسيق بين هذه المجموعات المختلفة “ظلت مشحونة بالنقاشات الحادة حول ما إذا كان يجب التركيز على النفايات فقط (لتحقيق النجاح)، أم يجب التركيز على الأسباب الجذرية لها وللأزمات الأخرى من خلال طرحها ضمن سياقها السياسي والاقتصادي الكلي”.110

وفقاً لكارول كرباج، فقد تجاوب المشاركون الذين أجرت معهم مقابلات أول مرة مع شعار “طلعت ريحتكم” المعارض للطبقة الحاكمة، لكن بمجرد أن اضطروا إلى وضع أجندة سياسية مشتركة، ظهر “تناقض واضح بين مصالح المتظاهرين وقيمهم ومعتقداتهم وبين المطالب والشعارات والإجراءات التي اتخذها منظمو الحراك”.111

كانت حملة “طلعت ريحتكم” تعتزم التركيز على بضعة تدابير قطاعية محددة تقتصر على ملف إدارة النفايات، بينما أصرت مجموعات أخرى مثل حركة “بدنا نحسب” أو “الشعب يريد” على المطالبة بأكثر من ذلك، وربطت أزمة النفايات صراحةً بالفساد العام المستشري، ودعت إلى سقوط النظام التوافقي الطائفي. وقد طالبوا بتأمين “(بيئة نظيفة ومياه صالحة للشرب وتوفير الكهرباء [و]الإسكان)، دون الإعراب عن الركائز السياسية والاقتصادية وراء عدم وجود تلك الخدمات ودون تقديم استعراض هيكلي للمشاكل التي تعصف بلبنان، وهو ما قد يفسح المجال لبدائل تستحق التنافس للحصول عليها”.112

يقبع خلف هذه التفضيلات المتعارضة نظريات مختلفة اختلافاً جوهرياً عن التغيير ومستويات تقبل الصراع السياسي. إذ يعتقد بعض النشطاء البيئيين (وغيرهم من النشطاء) أن الصراع السياسي والصدام المباشر لن يُفضيا إلى إحداث التغيير، لذلك يحاولون تخفيف حدة التوترات ويرون أن أفضل وسيلة لتحقيق ذلك هي الاستعانة بالخبرة التكنوقراطية.113 ينبع أحد الأمثلة التوضيحية من القصة الأساسية وراء تشكيل “ائتلاف إدارة النفايات”، الذي تأسس في 2017. ومثلما يشرح بعض أعضاء الائتلاف، فقد كان الهدف منه هو استخدام “المعرفة التقنية والحيادية… لتمييز أنفسهم عن الحراك (على الرغم من أنه يضم مجموعات كانت جزءاً من الحراك مثل حركة طلعت ريحتكم) والظهور في هيئة جديدة لا يستطيع السياسيون إفسادها مثلما فعلوا مع الحراك”.114 تفترض هذه الاستراتيجية أن العائق الرئيسي أمام إدارة النفايات الصلبة في لبنان هو نقص المعرفة التقنية أو عدم وجود خطط ومقترحات شاملة. لكن هذا ليس هو الوضع على الإطلاق، مثلما يقر “ائتلاف إدارة النفايات” نفسه. علاوة على ذلك، وعلى الرغم من المجهودات الكبيرة التي بذلها الائتلاف لتقديم استراتيجية شاملة لإدارة النفايات الصلبة، إلا أن جهوده لم تلق آذاناً صاغية.

سابعاً: تصميم أساليب جديدة

أخيراً، عندما سئلوا عن النجاح، ومثل النشطاء الآخرين حول العالم،115 لم يشر بعض نشطاء البيئة اللبنانيين إلى أنواع التغيير التي ناقشناها سابقاً، وإنما أكدوا على اتباع طريقة بديلة للوجود، إما من خلال شعور فردي بالذات والاعتبارات والآراء الشخصية الجديدة أو من خلال تجارب جمعية تتعلق برؤية الحياة والعيش بطريقة مختلفة. مثلاً، بالنسبة لإبراهيم، وهو مهندس في الثلاثينيات من عمره تطوع بفاعلية في عدة حملات على مدار اثنتي عشرة سنة الماضية، فإن فلسفة حماية البيئة تعبر عن مفهوم أخلاقي بقدر كونها غاية. وقال خلال حديثه عن حماية المنطقة الساحلية تحديداً من عمليات التطوير الخاصة المنتشرة، “اسمع، أنا لست متوهماً على الإطلاق. وأعرف أن من لديهم مصالح اقتصادية من وراء تدمير منطقة الساحل هم إما أعضاء برلمان أو وزراء أو أشخاص على علاقة وثيقة بهم أو أشخاص قدموا لهم رشاوي. لكن أؤمن أنه يجب علينا ألا نستسلم وأن نفعل أيّ شيء، وهذا أمر مفيد على أيّ حال”، ثم أضاف مازحاً، “لولا ذلك، إذن كيف سأقضي وقتي؟”116 تجسد فلسفة إبراهيم الشعورية تلك ما خلصت إليه دراسة صوفي شماس الأخيرة حول ممارسة العمل الناشط في لبنان.

العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان النشاط ناجحاً بالنسبة لمن أجريت حوارات معهم لم يتمثل بالضرورة في حجم التأثير الذي تحدثه استراتيجية أو إجراء معين، وإنما في التأثير الذي يخلفه على إحساسهم بذواتهم. يمكن اعتبار أن الرغبة في عدم إهدار أيّ مواهب للفرد، وفي جعل لبنان وطناً أكثر ملاءمة، حيث لا يشعر المرء بالخواء التام من الغاية أو الانتماء، هي أحد الأسباب التي تدفع النشطاء إلى مواصلة العمل على الرغم من احتمالات الفشل التي تلوح في الأفق.117

تجادل علماء الإثنوغرافيا في الدوائر النشاطية في لبنان مؤخراً حول انعكاسات الأطر المفاهيمية لمعاني الفشل أو النجاح تلك، وخلصوا إلى استنتاجات مختلفة للغاية بشأن آثارها. بالنسبة لفؤاد مُسلّم، فإن قدرة الأفراد والمجموعات على إبقاء جذوة الأمل والتضامن والغاية مشتعلةً حتى في حال عدم تحقيق أهداف محددة أو في أوقات الخمول التي تأتي بين فترات التعبئة والحشد، يعد نجاحاً في حد ذاته، لأنه يزيد من الإمكانيات السياسية في المستقبل.118 في المقابل، ترى صوفي شماس، أن المشاعر العميقة نفسها التي تُبقي روح الأنشطة حية -مثل السعادة الشخصية والرضا والاستمتاع- هي ما تقف حجر عثرة في طريق النجاحات التكتيكية والاستراتيجية وإمكانية النمو على المدى الطويل. إذ يستمد النشطاء الذين ينتمون للطبقة الوسطى ممن شملتهم دراستها إحساسهم بالإنجاز والإشباع من خلال العمل ضمن مجموعات صغيرة تجمع بين أفرادها روابط متينة نمت بحذرٍ مع مرور الوقت، على نحوٍ مثرٍ، ولكنه أيضاً يجعل العمل الائتلافي عبر الفضاءات ذات الروابط الأضعف والأقل حميمية أقل متعة، أو ينظر إليه على أنه تدخل أو مصدر إزعاج. ويكمن الخطر هنا في أن يصبح النشاط “فعلاً جيداً في حد ذاته، وليس وسيلة لتحقيق غاية معينة”.119

خاتمة: إنتاج المعرفة لحماية البيئة

تمثل أنشطة حماية البيئة في لبنان نموذجاً للتعاون المثالي بين النشطاء والعلماء والأكاديميين والفنانين والصحفيين. فبداية من النضال من أجل كشف فضيحة البراميل السامة إلى التصدي لبناء سد بسري إلى الحملة الأهلية للحفاظ على دالية الروشة، وقف المعماريون وعلماء الأحياء والكيميائيون والفنانون في طليعة المدافعين عن هذه القضايا، وهو ما يبرهن على إمكانية توظيف العلم والمعرفة الأكاديمية في نضالات العدالة البيئية الملموسة.120

خلال معارضتهم مشاريع تشييد السدود وتغطيتهم لها، عادة ما يشير النشطاء والصحفيون وحتى بعض رؤساء البلديات إلى الأسباب الفنية التي تجعل عملية بناء السدود وإدارتها غير فعالة ومكلفة في لبنان، مثل حقيقة أن السدود لن تكون قادرة على الاحتفاظ بالمياه بفعالية بسبب تشييدها على أحجار كلسية ذات طبيعة كارستية (تمتص مياه الأمطار بسرعة في باطن الأرض) أو فوق المجاري والفجوات (مثل سد بريصا أو سد القيسماني أو سد بلعا أو سد شبروح)، أو أنها ملوثة بشدة بالمعادن والبكتيريا الزرقاء، وهو ما يجعل مياهها غير صالحة للري أو الاستخدام المنزلي (مثل سد القرعون).  ولم تكتفِ التحالفات البيئية بمعارضة المشاريع القائمة أو المقرر تنفيذها فحسب، وإنما اقترحت مشاريع بديلة مفصلة ومنطقية وقابلة للتنفيذ، مثل برنامج “ائتلاف إدارة النفايات” لِإدارة النفايات الصلبة في بيروت أو المخططات العمرانية التي أعدتها مبادرة “للمدينة” في صيدا. وتُعد هذه التحالفات شراكات تعاونية لإنتاج المعرفة بقدر كونها مساعي ناشطة.

أنتج الأكاديميون أيضاً دراسات توثيقية متينة للتصدي للخطاب الزائف حول ندرة المياه التي تغذي مشاريع السدود. وقد برهنوا على أن الحوافز الاقتصادية المحدودة هي السبب وراء مشاكل الوصول إلى المياه وتلوثها في لبنان، وليس الندرة في حد ذاتها. لكن بالطبع بات من الصعب زعزعة سرديات الندرة المهيمنة، لأن الإنتاج المعرفي ينبع من الطرفين. عادة ما يجري تناول سرديات الندرة في المناقشات العامة والتقارير الإخبارية، وهي سرديات تروج لها الجهات المانحة الدولية مثل البنك الدولي الذي يدعم بناء السدود وبرامج تسليع المياه وتخصيصها في شكل شركات نفعية. علاوة على ذلك، يقدم الخبراء الذين تعينهم الحكومة تقاريراً متحيزة بينما تجري الشركات المتعاقدة تقييمات الأثر البيئي لمشاريعها الخاصة التي تدفع تكلفتها.121

وقد ساعد إنتاج المعرفة المستقلة وغير المتلاعب بها في الربط فيما بين القضايا البيئية التي تبدو منفصلة عن بعضها، وأيضاً في ربطها بالمظالم السياسية والاقتصادية الأوسع نطاقاً. لكنها كانت أقل فعالية في إقناع صناع القرار بتغيير السياسات العامة، لأن التدهور البيئي لا يعزى إلى غياب المعرفة مثلما شاهدنا.

عادة ما يشعر الناشطون “بخيبة أمل من فكرة أن المعرفة وحدها يمكنها أن تنير الطريق للإجراءات المتخذة”، مثلما أشارت عضوة في مبادرة “للمدينة” خلال مناقشتها كيف “أن الرعاة السياسيين في صيدا قد تجاهلوا وطمسوا بلا شكٍ المعرفة التي أنتجها النشطاء البيئيون والعمرانيون الذين لم يكن لديهم القدرة على إيصال آرائهم”.122

لكن يوجد نوع آخر من الإنتاج المعرفي الذي يستحق إبرازه، وهو نوع لا يتعلق بتدهور البيئة وحمايتها بالذات، وإنما بِالنشطاء البيئيين. يستعرض هذا النوع من الإنتاج المعرفي -مثل العمل الذي بين أيديكم- المسارات والإجراءات والاستراتيجيات والدروس المستقاة من النشاط البيئي ككل. ومثلما توضح الاقتباسات التي أوردتها في هذا العمل، فقد وثق عدد قليل من علماء الاجتماع حركة حماية البيئة في لبنان، خاصة في لحظات التعبئة الجماهيرية. بينما يقوم بعض النشطاء البيئيين (مثل النشطاء التابعين للحركة البيئية اللبنانية) ببحث وتقييم الحملات السابقة في لبنان والعالم على نحوٍ نشطٍ لاستخلاص الدروس منها. ويتواصلون أيضاً مع المنظمات العالمية لتبادل الأساليب ووضع الاستراتيجيات. لكن المساحات المشتركة بين النشطاء البيئيين في لبنان من أجل التفكر في المسائل البيئية ووضع الاستراتيجيات المستقبلية سوياً في المنظمات أو الحملات المنفردة تعد أقل شيوعاً. وقد ثبتت الأهمية البالغة لهذه الجلسات الحوارية بين النشطاء والمنظمين ضمن سياقات مختلفة في لبنان وخارجه، من ناحية تحقيق التضامن واستخلاص الدروس وإلهام المخيلة الراديكالية.123 ويمكن أن تكون مفيدة بوجه خاص عقب الانتكاسات، التي لا تعد حالة منفردة وإنما قاعدة للأسف.

 

Endnotes
1 Hadi Khalaf, “The Fall of the Bisri Dam”, Medium, 1 October 2020. https://medium.com/@hadikhalaf09/the-fall-of-the-bisri-dam-f88a9b4499a5
2 Julia Woods, “Victory in Lebanon: Bisri Valley Dam Canceled”, Global Greengrants Fund, 14 September 2020. https://www.greengrants.org/2020/09/14/save-bisri/
3 Group discussion with environmental activists in Beirut, 2 June 2022. See also “Grassroots Environmental Activism in Lebanon: David vs. Goliath?” panel discussion, 5 June 2023. https://www.youtube.com/watch?v=q5YDhDJ3yOY
4  مقابلة أجرتها المؤلفة في 30 كانون الثاني/يناير، 2023
5 Fuad Musallam, “‘Failure in the Air’: Activist Narratives, In‐Group Story‐Telling, and Keeping Political Possibility Alive in Lebanon”, Journal of the Royal Anthropological Institute 26(1), 2020. https://doi.org/10.1111/1467-9655.13176
6 Noura Wahby, “Egyptian Environmentalism and Urban Grassroots Mobilization”, in The Right to Nature: Social Movements, Environmental Justice and Neoliberal Natures, ed. Elia Apostolopoulou and Jose A. Cortes-Vazquez, Routledge, 2018.
7 مونيكا بصبوص، تالا علاء الدين، عبير سقسوق، نادين بكداش. “أبعد من الإسمنت: نحو رؤية تنموية بديلة لشكّا وبلدات الطوق.” استوديو أشغال عامة 2020.  https://publicworksstudio.com/beyond-cement-2/
8 Hannes Baumann, “Social Protest and the Political Economy of Sectarianism in Lebanon”, Global Discourse 6(4), 2016.
9 See Reinoud Leenders, Spoils of Truce: Corruption and State-building in Postwar Lebanon, Cornell University Press, 2012.
10 Reform Initiative for Transparent Economies, “Findings and Recommendations Regarding EU Supported Solid Waste Management Facilities in Lebanon”,  The RITE Independent Review 2022, 5 May 2023: 3. https://rite.org.uk/projects-and-publications-draft/
11 “حوكمة إدارة النفايات الصلبة في لبنان وإمكانية الإصلاح”، ناصر ياسين، عرض تقديمي عبر الإنترنت، مبادرة الإصلاح العربي، 28 نيسان/أبريل، 2022. https://www.arab-reform.net/ar/event/
12  سينتيا كردي، “سياسات إدارة تفريغ النفايات الصلبة في لبنان: سياسات عامة قائمة على تقاسم السلطة وليس صنع القرار المبني على الأدلة”، مبادرة الإصلاح العربي، 19 آب/أغسطس، 2022.https://www.arab-reform.net/ar/publication/
13 Human Rights Watch, Human Rights Watch’s Comments on the Integrated Solid Waste Management Strategy, 20 March 2019, https://www.hrw.org/sites/default/files/supporting_resources/20190320_hrw_comments_iswms.pdf
14 “حوكمة إدارة النفايات الصلبة في لبنان وإمكانية الإصلاح”، ناصر ياسين، عرض تقديمي عبر الإنترنت، مبادرة الإصلاح العربي، 28 نيسان/أبريل، 2022.https://www.arab-reform.net/ar/event/
15   Sintia Issa, “Beyond the Garbage Politics of Emergency: The Paradox of Infrastructural Failure in Beirut’s Peripheries”, World Humanities Report, CHCI, 2023. https://worldhumanitiesreport.org/region/arab-region/
16 Jad Chaaban, “Lebanon’s Waste Management Policies One Year after the 2015 Crisis”, Jadaliyya, 6 September 2016. https://www.jadaliyya.com/Details/33539/Lebanon%60s-Waste-Management-Policies-One-Year-after-the-2015-Crisis
17 اريك فردي، “استصلاح الأراضي البحرية، والرّدم والنفايات: قراءة استقلابية للتمدّن اللبناني”، 2021. https://thederivative.org/ar/
18 Ranine Awwad, “Diaries of a Garbage Bag: Lebanon’s Waste and Water Problem”, Synaps, 30 October 2017. https://www.synaps.network/post/lebanon-waste-garbage-pollution-crisis
19 مرتضى الأمين، “بلاد الماء والظمأ: كيف يمكن للبنان الاستفادة من ثروته المتجددة”، سينابس، 18 تموز/يوليو، 2022. https://www.synaps.network/post/water-crisis-lebanon-ar
20 عواد 2023
21 Karim-Philipp Eid-Sabbagh, A Political Economy of Water in Lebanon: Water Resource Management, Infrastructure Production, and the International Development Complex, PhD diss., SOAS, University of London, 2015. https://eprints.soas.ac.uk/20365/
22 جوي أيوب وكريستوف مارون، “إيقاف سد بسري: من الخلاف المحلي إلى الوطني”، مبادرة الإصلاح العربي، 3 نيسان/أبريل 2020. https://www.arab-reform.net/ar/publication/
23 Roland Joseph Nassour, Environmental Contestation, Planning, and Political Change: The Save Bisri Campaign in Lebanon, MA thesis, American University of Beirut, 2020. انظر أيضاً، سعدى علوه، “فصل من سجل فشل السدود: تدمير البيئة وهدر المال العام”، المفكرة القانونية، 18 آذار/مارس 2020.  https://legal-agenda.com/
24 Neemat Badaoui Abou Cham, Building Dams as a Policy Instrument within Lebanon’s National Water Strategy: An Overview, MA thesis, American University of Beirut, 2013.
25 Roland Riachi, “Water Policies and Politics in Lebanon: Where Is Groundwater?” International Water Management Institute, December 2016.
26 Ali Ahmad, Neil McCulloch, Muzna Al-Masri, and Marc Ayoub, “From Dysfunctional to Functional Corruption: The Politics of Decentralized Electricity Provision in Lebanon”, Energy Research & Social Science 86, 2022. https://doi.org/10.1016/j.erss.2021.102399
27 Human Rights Watch, “Cut Off from Life Itself:” Lebanon’s Failure on the Right to Electricity, 9 March 2023. https://www.hrw.org/report/2023/03/09/cut-life-itself/lebanons-failure-right-electricity#_ftn175
28 Ali Ahmad, Distributed Power Generation for Lebanon: Market Assessment and Policy Pathways, World Bank Group, 2020: 8. http://documents.worldbank.org/curated/en/353531589865018948/Distributed-Power-Generation-for-Lebanon-Market-Assessment-and-Policy-Pathways
29  أحمد وآخرون، 2022
30 Joanne Randa Nucho, Everyday Sectarianism in Urban Lebanon: Infrastructures, Public Services, and Power, Princeton University Press, 2017: 108-114.
31 Sami Atallah, Ishac Diwan, Jamal Haidar, and Wassim Maktabi, “Public Resource Allocation in Lebanon: How Uncompetitive is CDR’s Procurement Process?” Lebanese Center for Policy Studies, 23 July 2020. https://www.lcps-lebanon.org/articles/details/2454/public-resource-allocation-in-lebanon-how-uncompetitive-is-cdr%E2%80%99s-procurement-process
32 Van Meguerditchian, “Beirut River Mysteriously Runs Blood Red”, The Daily Star, 16 February 2012. https://english.alarabiya.net/articles/2012%2F02%2F16%2F194993
33 The Public Source, “The ‘Ecological Time Bombs’ Unloaded at the Beirut Port Decades Ago”, 4 August 2022. https://thepublicsource.org/ecological-time-bombs-beirut-port
34 Brian Larkin, “Promising Forms: The Political Aesthetics of Infrastructure,” in The Promise of Infrastructure, ed. Nikhil Anand, Akhil Gupta, and Hannah Appel, Duke University Press, 2018.
35 Akhil Gupta, “Infrastructure as Decay and the Decay of Infrastructure”, in Decay, ed. Ghassan Hage, Duke University Press, 2021.
36 Rob Nixon, Slow Violence and the Environmentalism of the Poor, Harvard University Press, 2011.
37 Caroline Nagel and Lynn Staeheli, “Nature, Environmentalism, and the Politics of Citizenship in Post-Civil War Lebanon”, Cultural Geographies 23(2), 2016: 252. https://www.jstor.org/stable/26168724
38 Rula Jurdi Abisaab, “Sayyid Musa al-Sadr, the Lebanese State, and the Left”, Journal of Shia Islamic Studies 8(2), Spring 2015.
39 Karim Makdisi, “The Rise and Decline of Environmentalism in Lebanon”, in Water on Sand: Environmental Histories of the Middle East and North Africa, ed. Alan Mikhail, Oxford University Press, 2012: 218-220.
40 Salim Nasr, “Roots of the Shi‘i Movement”, MERIP 133, June1985. https://merip.org/1985/06/roots-of-the-shii-movement/
41  مقدسي 2012:224.
42   مقدسي 2012:221-2.
43 Karam Karam, Le Mouvement Civil au Liban: revendications, protestations et mobilizations associatives dans l’après-guerre, Karthala Editions, 2006.
44  ناغل وستاهيل 2016: 247-8.
45 Paul W.T. Kingston, Reproducing Sectarianism: Advocacy Networks and the Politics of Civil Society in Postwar Lebanon, State University of New York Press, 2013: 55.
46   ناغل وستاهيل: 231.
47 برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، اليونيسف، وزارة البيئة اللبنانية، محررون، واقع البيئة في لبنان والتوقّعات المستقبلية: تحويل الأزمات إلى فرص (2020)، 29 أيلول/سبتمبر 2021. https://www.undp.org/ar/lebanon/publications/waq-albyyt-fy-lbnan-waltwqwat-almstqblyt-thwyl-alazmat-aly-frs-2020
48 كينجستون 2013: 280.
49 U.S. Department of the Treasury, “Treasury Sanctions Lebanese Entity and Leade for Providing Support to Hizaballah”, 16 August 2023. https://home.treasury.gov/news/press-releases/.
50 سمر خليل، التأثير بالسياسات العامة: إدارة النفايات والمناصرة في لبنان، 16 حزيران/يونيو 2022:   https://www.arab-reform.net/ar/publication/
51 https://stopthehighway.wordpress.com/the-coalition/about/
52 Lyne Jabri, “Mobilizing Ordinary People for the Sake of the Environment: Challenges of Urban Activists within Clientelistic Conditions in Lebanon”, Les Cahiers de la recherche architecturale urbaine et paysagère, 17 April 2023. https://journals.openedition.org/craup/12116
53 Paul Kingston, “Patrons, Clients and Civil Society: A Case Study of Environmental Politics in Postwar Lebanon”, Arab Studies Quarterly 23(1), Winter 2001: 60-1.
54 Angela Saade, Rana Hassan, Ounsi El Daif, and Heather Kayed, “Environmental Justice in Lebanon”, Jibal, December 2021: 42 https://www.jibal.org/wp-content/uploads/2022/03/Jibal-Research-design-eng-digital-DD20211123.pdf
55 Saade et al. 2021: 43.
56 Carole Kerbage, Politics of Coincidence: The Harak Confronts Its “Peoples”, Issam Fares Institute for Public Policy, 2017. https://www.aub.edu.lb/ifi/Documents/publications/working_papers/2016-2017/20170213_wp_hirak_english.pdf
57 Ziad Abu -Rish, “Garbage Politics”, MERIP 277, Winter 2015. https://merip.org/2016/03/garbage-politics/
58 Cynthia Sami Kreichati, “Knowledge and the Trash: The Predominance of the Expert Model in the 2015 Beirut Protests”, M.A. thesis, American University of Beirut, January 2017. https://scholarworks.aub.edu.lb/handle/10938/20989
59 Kerbage 2017.
60 Ayoub and Maroun 2020.
61 Mona Khneisser, “The Marketing of Protest and Antinomies of Collective Organization in Lebanon”, Critical Sociology 45 ( 7-8), 2019: 1111-1132. https://doi.org/10.1177/0896920518792069
62 كينغستون 2013: 168-9.
63 The Public Source, 4 August 2022.
64 L’Orient Today, “Journalist Lara Bitar Refuses Interrogation by Anti-Cybercrime Bureau”, 6 April 2023. https://today.lorientlejour.com/article/1333994/journalist-lara-bitar-refuses-interrogation-by-anti-cybercrime-bureau.html
65 Marc Ghazali, “Roland Riachi: Lebanon Applies a 70-Year-Old Water Dam Policy”, The Legal Agenda, 2 April 2020. https://english.legal-agenda.com/roland-riachi-lebanon-applies-a-70-year-old-water-dam-policy/
66 Human Rights Watch, Lebanon: Police Violence Against Protesters, 22 August 2015. https://www.hrw.org/news/2015/08/22/lebanon-police-violence-against-protesters; Lebanon: Excessive Force Against Protesters, 20 December 2019. https://www.hrw.org/news/2019/12/20/lebanon-excessive-force-against-protesters; Lebanon: Security Forces Use Excessive Force Against Protesters, 19 October 2019. https://www.hrw.org/news/2019/10/19/lebanon-security-forces-use-excessive-force-against-protesters
67 كينغستون 2013.
68 كينغستون 2013: 280.
69 كينغستون 2013: 162.
70 مقدسي 2001.
71   Marie-Noelle AbiYaghi, Myriam Catusse, and Miriam Younes. “From isqat an-nizam at-ta’ifi to the Garbage Crisis Movement: Political identities and Antisectarian Movements”, in Lebanon Facing the Arab Uprisings: Constraints and Adaptation, eds. Rosita Di Peri and Daniel Meier, Palgrave Macmillan, 2017: 73-91.
72 AbiYaghi et al. 2017.
73 Lama Karame, “Law in Times of Revolution: A Double-Edged Sword of Repression and Resistance”, in The Lebanon Uprising of 2019: Voices of the Revolution, ed. Jeffrey G. Karam and Rima Majed, I.B. Tauris, 2023: 52-64.
74 Lamia Moghnieh and Moe Ali Nayel. “The Protests in Lebanon Three Months After.” New Politics, 7 November 2015. http://newpol.org/content/protests-lebanon-three-months-after
75 Saade et al. 2021: 48. https://www.jibal.org/wp-content/uploads/2022/03/Jibal-Research-design-eng-digital-DD20211123.pdf
76 Paul Cochrane and Karim Eid-Sabbagh, directors, We Made Every Living Thing from Water, 2018. https://www.youtube.com/watch?v=reJEh0jM5-8&feature=youtu.be
77 Karim Eid-Sabbagh and Alex Ray, “Breaking Point: The Collapse of Lebanon’s Water Sector”, Triangle Policy Paper, June 2021.
78 United Nations Development Programme and the Lebanese Ministry of Social Affairs, Mapping of Living Conditions in Lebanon between 1995 and 2004, 2007; International Labour Organisation and the Lebanese Central Administration of Statistics, Labour Force and Household Living Conditions Survey 2018–2019 Lebanon, 2020.
79 Cochrane and Eid-Sabbagh 2018.
80 Amin Shaban, “Rivers of Lebanon: Significant Water Resources Under Threats”, in Hydrology, eds. Theodore V. Hromadka II and Prasada Rao, February 2021. https://www.intechopen.com/chapters/73655
81 Aidan Farow, Kathryn A. Miller, and Lauri Myllyvirta, Toxic Air: The Price of Fossil Fuels, Greenpeace MENA, June 2020: 12. https://www.greenpeace.org/mena/en/appr/
82 Greenpeace International, New Satellite Data Analysis Reveals World’s Biggest NO2 Emissions Hotspots, 29 October 2018, https://www.greenpeace.org/international/press-release/19072/greenpeace-analysis-of-new-satellite-data-reveals-worlds-biggest-no2-emissions-hotspots/
83 Public Works Studio, “Reading the Quarries’ Map in Lebanon”, Jadaliyya, 17 April 2019. https://www.jadaliyya.com/Details/38569
84 سامي كايد، غابات لبنان غير الخاضعة للتنظيم: كيف يمكن للمآسي أن تُحدث تحولات نابعة من جهود محلية، https://www.arab-reform.net/ar/publication/
85 For an overview of current environmental conditions and future prognoses, see Simon Assaf, “Lebanon, Radical Hope, and the Natural Economy in the Age of Climate Breakdown”, The Public Source, 30 June 2023. https://thepublicsource.org/climate-crisis-radical-hope
86 Jérémie Langlois and Marwa Daoudy, “Words, Water, and Waste: How Government Discourse Shapes Environmental Protest in Lebanon and Jordan”, in Environmental Politics in the Middle East and North Africa, Project on Middle East Studies, May 2022. https://pomeps.org/words-water-and-waste-how-government-discourse-shapes-environmental-protest-in-lebanon-and-jordan
87 Karam and Majed 2023.
88 ملاحظة أدلى بها نديم حوري، 14 أيلول/سبتمبر 2023.
89 Langlois and Daoudy 2022.
90 مقدسي 2012: 215.
91 Nagel and Staeheli: 251.
92 Mona Harb and Lara Deeb, “Culture as History and Landscape: Hizballah’s Efforts to Shape an Islamic Milieu in Lebanon”, Arab Studies Journal 19(1), 2011: 10-41. See also Yasmine Khayyat, War Remains: Ruination and Resistance in Lebanon, Syracuse University Press, 2023: 145-62.
93 كينغستون 2013: 180.
94 رياشي 2023: 72.
95 Zeina Abla, “A Wasted Waste Law,” The Lebanese Center for Policy Studies, 1 November 2018. https://www.lcps-lebanon.org/articles/details/1858/a-wasted-waste-law
96 Karim Makdisi, Trapped Between Sovereignty and Globalization: Implementing International Environmental and Natural Resource Treaties in Developing Countries—The Case of Lebanon, PhD dissertation, Fletcher School of Law and Diplomacy, Tufts University, April 2001: 66.
97 كينغستون 2013: 163.
98 كينغستون 2013: 151.
99 ميريام مهنا وسامر غمرون، “دعونا نسرق… أو تغرقون بالزبالة: حرب أيديولوجية ضد الحلول البديلة”، المفكرة القانونية، 20 تشرين الأول/أكتوبر 2015. https://legal-agenda.com
100 The Public Source, “Merchants of Death”, 11 October 2022. https://thepublicsource.org/toxic-barrels-beirut-port-lebanon
101 Bassel F. Salloukh, Rabie Barakat, Jinan S. Al-Habbal, Lara W. Khattab, Shoghig Mikaelian, The Politics of Sectarianism in Postwar Lebanon, Pluto Press, 2015: 53-5.
102 كر     دي 2022: 10-11.
103 نصور 2020: 74-78.
104 سعدي وآخرون. 2021: 52.
105 لين الجابري 2023.
106 Roland Nassour, “The Struggle for the Bisri Valley,” in The Lebanon Uprising of 2019: Voices of the Revolution, ed. Jeffrey G. Karam and Rima Majed, I.B. Tauris, 2023: 277-85.
107 نديم القاق يحاور منسق حملة الحفاظ على مرج بسري، المهندس رولان نصّور، المركز اللبناني للدراسات، 8 أيلول/سبتمبر 2020. https://www.lcps-lebanon.org/podcast/
108 Abir Saksouk-Sasso, “Making Spaces for Communal Sovereignty: The Story of Beirut’s Dalieh”, Arab Studies Journal 22(1), 2015: 296–319. See also: https://www.jadaliyya.com/Details/31572/Open-Letter-to-Mr-Rem-Koolhaas
109 انظر على سبيل المثال: خنيصر (2019)، وكرباج (2017)، ومُغنية ونايل (2015).
110 Mona Khneisser, “The Specter of ‘Politics’ and Ghosts of ‘Alternatives’ Past: Lebanese ‘Civil Society’ and the Antinomies of Contemporary Politics”, Critical Sociology 46(3), 2020: 359–377. https://doi.org/10.1177/0896920519830756
111 كرباج 2017.
112 Sophie Chamas, “Researching Activism in ‘Dead Time’: Counter-politics and the Temporality of Failure in Lebanon”, World Humanities Report, CHCI, 2023.
113 ناغل وستاهيل 2016.
114 خليل 2022: 9.
115 Alex Khasnabish and Max Haiven, The Radical Imagination: Social Movement Research in the Age of Austerity, Zed Books, 2014.
116 مقابلة في 31 آب/أغسطس 2023.
117 Sophie Chamas, “Activism as a Way of Life: The Social World of Social Movements in Middle-Class Beirut”, Partecipazione e conflitto  14 (2), 2021: 538.
118 مُسلّم 2020.
119 شماس 2021: 544.
120 سينتيا عيسى، “الانتفاضة اللبنانية: البنى التحتية وفخ التنمية النيوليبرالية”، المفكرة القانونية 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2019. https://thepublicsource.org/ar/infrastructure-neoliberal-development و https://english.legal-agenda.com/lebanese-uprising-infrastructure-and-the-trap-of-neoliberal-development/
121 مقابلة مع سعدى علوه، أجرتها سارين كراجرجيان، 25 آب/أغسطس 2023.
122 لين الجابري 2023.
123 See Musallam 2020 for a discussion of the “political circle” in Beirut; see Khasnabish and Haiven for a discussion of such convenings in Canada and the United State

Start typing and press Enter to search

Shopping Cart